لقد أمر يسوع المسيح تلاميذه وقال : إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" (متى 10/5-6).
وجاء في آخر إنجيل متى على لسان يسوع قوله : فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. (28/19 )
لا شك ان النص الأول يناقض النص الثاني، غير انه يمكن أن يقال ان النص الثاني ناسخ للأول وهذا يحل الإشكالية، ويقتضي نسخ النص الأول ان يتوقف التلاميذ العمل به ومزاولة العمل بالنص الثاني. فهل عمل التلاميذ بالنص الثاني ؟ أي هل دعا التلاميذ جميع الأمم
ما كان لهم أن يفعلوا ذلك قبل المجيء الثاني فقد أمرهم يسوع المسيح بعدم الخروج من إسرائيل حتي يعود ( ومتى طردوكم في هذه المدينة فاهربوا إلى الأخرى.فاني الحق أقول لكم لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان (متى 10/23) وقد التزم التلاميذ بهذا الأمر وظلوا في فلسطين لفترة طويلة حتى يئسوا من عودة يسوع’
وكما قلنا في الفصل السابق ان دعوة المسيح كانت محلية وتضم الأمم المحليين، فالأمم المتواجدون في فلسطين لا يمنعون من الدخول في الإيمان - ونري ان دعوة المسيح عليه السلام كانت تشمل السامرين أيضا فهم كانوا علي اليهودية ويؤمنون بالتوراة وأحقاد الإسرائيليين لا ينفي يهوديتهم
، ومع ذلك، بطرس كبير التلاميذ يصرح بان الدعوة خاصة باليهود (نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات، وأوصانا أن نكرز للشعب" (أعمال الرسل 10/42)
ويقول بطرس عن يسوع المسيح : هذا رفعه الله بيمينه رئيسا ومخلّصا ليعطي إسرائيل التوبة وغفران الخطايا ( أعمال 5/31 ) وفي قول بطرس ان يسوع أوصاهم ان يكرزوا للشعب أي اليهود تكذيب للنص الإنجيلي متى وفي النص الثاني تصريح بان المسيح جاء من أجل خلاص إسرائيل
ولما خرجوا من فلسطين لم يكن خروجهم بسبب نص إنجيل متى، ولكن لأسباب خارجة عن إرادتهم فقد تعرضوا لاضطهاد شديد، فلما قتل استفانوس علي يد القديس بولس قبل أن بتنصر اضطر التلاميذ إلي الهروب، ويعتبر استفانوس أول شهيد في المسيحية
جاء في أعمال الرسل ( وأما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب استفانوس، فاجتازوا إلى فينيقية وقبرص وأنطاكيا، وهم لا يكلمون أحداً بالكلمة إلا اليهود فقط" (أعمال 11/19), وهذا النص لا يؤكد فقط ان التلاميذ لم يخرجوا من فلسطين حتي مقتل استفانوس، بل ويضيف انهم حتى بعد خروجهم من فلسطين لم يدعوا أحدا من غير اليهود، فهل، ولا يعقل أن يتجاهل التلاميذ هذا الأمر الجليل لفترة امتدت لأكثر من عقدين
وبعد أكثر من عقيدين من رفع المسيح نجد ان أسلوب تعامل التلاميذ مع الأمم لم يتغير فهم لا يزالون يحتقرون الأمم حتى الذين دخلوا في المسيحية من خلال القديس بولس الذي عمم المسيحية ، وها هو بطرس يتجنب أن يراه احد من كنيسة الأم وهو يأكل مع الأمم حتى اتهمه القديس بولس بالنفاق وانتهره بشدة (لأنه قبلما أتى قوم من عند يعقوب كان يأكل مع الأمم ولكن لما أتوا كان يؤخر ويفرز نفسه خائفا من الذين هم من الختان ) ( غلاطية 2/12 ) ويبدوا ان القديس بطرس تأثر بدعوة بولس وبدأ يجالس الأمم ولكن شق عليه أن يراه احد من كنيسة الأم في أورشليم، ومن البديهي أن يتساءل أحدنا كيف تدعوا أناسا تتأفف من مجالسة من دخل في الإيمان ؟ وإذا كان هذا حال القديس بطرس مع إخوته المسيحيين فما هو حاله مع من لم ينتصر بعد ؟ الحقيقة هي انه أمثال القديس بطرس غير جديرين بحمل أعباء الدعوة، وحال اليهود أسوى من حال بطرس، لذلك جاء المسيح عليه السلام ليبلغهم بانتقال الملكوت إلي أمة جديرة بحمل أعباء الدعوة فلم تحتقر بلال الحبشي ولم ترهب من دعوة قيصر
إن هذا الحدث في أنطاكيا لم يكن في بداية الدعوة ولو كان كذلك لوجدنا لبطرس العذر ولكن كان بعد مرور أكثر من عقدين علي القول المنسوب إلي المسيح والذي يأمر فيه بدعوة الأمم،
وفي سياق حدث توبيخ القديس بولس للقديس بطرس يعطي بولس مقدمة عن الحدث في رسالته إلي غلاطية ومن خلال هذه المقدمة نتوصل إلي بعد الفترة الزمنية بين صعود المسيح عليه السلام وموقف بطرس من الأمم
يقول بولس أنه بعد إيمانه بالمسيح لم يلتق بأحد من التلاميذ بل انطلق إلي العربية ( غلاطية 1/15،17 )
من الصعب أن نحدد سنة تحول القديس بولس إلي المسيحية وكم بقي في العربية، ويفترض أن تحوله كان عام 36 بعد الميلاد – يقول القمص أنطونيوس فكري " الله دعا بولس سنة 36 ثم قضي ثلاث سنوات في العربية ثم زار أورشليم سنة 38 " ( ص 27 ) ويقول الأب متى المسكين في سياق تفسير غلاطية 1/17 " فأول زيارة تمَّت بعد ثلاث سنوات من ظهور المسيح له وكانت ليست بذات شأن في موضوع رسوليته، ثم أعقبها زيارة أخرى بعد أربع عشرة سنة وكانت زيارة حاسمة بالنسبة لهؤلاء الإخوة الكذبة المناكيد "
إذن بين إيمان القديس بولس وزيارته الأولي لأورشليم ست سنوات، إذا افترضنا ان المسيح رفع سنة 33 بعد الميلاد، ويقول بولس أنه سافر بعد ذلك إلي سورية وكيليكية، ولا نعرف المدة التي مكثها ويضيف القديس بولس : ثم بعد أربع عشرة سنة صعدت أيضا إلى أورشليم مع برنابا آخذا معي تيطس أيضا ( غلاطية 2/1 )
إذن، بعد أكثر من عشرين عاما من رفع المسيح، القديس بطرس يخشي مجالسة الأمم، وبعد أكثر من عشرين سنة القديس بولس يوصف القديس بطرس بأنه رسول الختان، أي رسول إلي اليهود ( بل بالعكس إذ رأوا إني اؤتمنت على إنجيل الغرلة كما بطرس على إنجيل الختان ) غلاطية 2/7 ) ويضيف بولس ما يؤكد ان المسيح لم يأمر التلاميذ بدعوة الأمم حيث يقول " فان الذي عمل في بطرس لرسالة الختان " ويقول أيضا " نحن للأمم وهم للختان " أي اليهود
إن ما خطه القديس بولس في رسالته إلي غلاطية لم يكن رأي شخصي وانما هو وحي وجزء من الإنجيل حسب الفكر المسيحي ، وكفي نفي بولس لإبطال نص الإرسالية في إنجيل متى – ويلاحظ ان نص الإرسالية يبدأ بحرف الفاء " فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم " يقول الأب متى المسكين
"الفاء" في بداية الكلام "فاذهبوا poreuqڑntej oân" تفيد معنى: الآن "
فإذا كان المسيح قد أمر بدعوة الأمم، لماذا لم يعرف التلاميذ بهذا الأمر ولماذا استمر المسيحيون ينافشونه إلي فترة كتابة بولس الرسالة غلاطية علي أقل تقدير وقد كتبت هذه الرسالة حسب التقليديين حوالي عام 49 وقال آخرون انها كتبت عام 58 (1) وهذه الأقوال اجتهادات قال عنها الأب متى المسكين " وكُلها محاولات لتحديد موضع الرسالة بين الرسائل، وبالنهاية استقرَّ العلماء، وأكثرهم دقة هما العالِمان ليتفوت وبروس، على أن الرسالة إلى غلاطية كُتبت في زمن مبكر يحدِّده العالِم بروس بعشية اجتماع الرسول بولس ببقية الرسل في أُورشليم سنة 49م .. فمنهم مَنْ قال بان زمن كتابة الرسالة إلى كنائس غلاطية كان حوالي سنة 54-55م، وهو ما يتناسب مع ما جاء في سفر الأعمال (23:18) وما يتناسب أيضاً مع زيارة بولس الرسول لإقليم غلاطية الشمالي المذكور في الرحلة الثالثة للقديس بولس " (1)
ويحاول سفر أعمال الرسل جاهدا ان يبرر دعوة الأمم، ويستخدم العقل والمنطق بعرض حجج بولس وسلطان بطرس، ولكن كاتب السفر أجهد نفسه بدون داعي، فلا حاجة إلي الأقوال المنطقية في حالة توفر النقل، وكان علي كاتب سفر أعمال الرسل ان يوفر جهده ويقدم لنا الدليل النقلي علي وجوب دعوة الأمم، أي كان عليه أن يخبر الرافضين لدعوة الأمم بأمر الإرسالية الذي سمعه جميع التلاميذ " اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم "
ولكن ما تفوه احد من التلاميذ بهذا النص والتفسير الوحيد لذلك هو ان يسوع لم يقل اذهبوا وتلمذوا
وها هو بطرس الذي كان حاضرا ساعة رفع يسوع وسمع جميع وصاياه، نراه يتكلف تأليف رؤية منامية لأنه تعامل مع كريليونس, وهنا يكذب بطرس مرة أخري بان يسوع قال المقولة المنسوبة إليه، إذ يقول بطرس
انتم تعلمون كيف هو محرم على رجل يهودي ان يلتصق باحد اجنبي او يأتي اليه ( 10/28 )
ان التعامل مع غير اليهود محرم, ولكن الأمر تغير الآن وليس محرما علي بطرس ان يتعامل مع الأمم، ويعرض بطرس سبب إباحة ذلك فيقول : .وإما إنا فقد أراني الله ان لا أقول عن إنسان ما انه دنس أو نجس.
وما كان لبطرس ان يخترع حلما وإنما كان عليه أن يقول : وأما أنا فقد قال لي يسوع : اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم
وما كان لبطرس أن يقول : ان التعامل مع غير اليهود محرم، فما هذه مقولة ينطق بها رجل مرسل إلي دعوة الأمم، ولهذا يقول أدولف هرنك: "صيغة التثليث هذه التي تتكلم عن الآب والابن والروح القدس، غريب ذكرها على لسان المسيح، ولم يكن لها وجود في عصر الرسل …كذلك لم يرد إلا في الأطوار المتأخرة من التعاليم النصرانية ما يتكلم به المسيح وهو يلقي مواعظ ويعطي تعليمات بعد أن أقيم من الأموات، إن بولس لا يعلم شيئاً عن هذا " إذ هو لم يستشهد بقول ينسبه إلى المسيح يحض على نشر النصرانية بين الأمم ( انظر الله جل جلاله واحد أم ثلاثة للدكتور منقذ السقار ص 165
ومما سبق يمكننا أن نقول أن كنيسة الأمم بنيت علي نص مفبرك وما بني علي باطل فهو باطل،
محمود أباشيخ
burhanukum@yahoo.com
(1) متى المسكين - مقدمة تفسيره لغلاطية
(2) الدكتور منقذ السقار، الله جل جلاله واحد أم ثلاثة، ص165 طبعة دار الإسلام