هو يهودى نمساوى ، كان يعمل طبيبا ثم تخصص فى معالجة الأمراض العصبية والنفسية ، وأنشأ عيادة خاصة للإشراف على علاج مرضاه ودراسة أحوالهم عن كثب ، ثم استنبط من دراساته تصورا خاصا للنفس البشرية وتركيبها وتفسيرا لنشاطاتها المختلفة ، تفرد به بين كل " المفكرين " إلى ذلك الحين وربما إلى الوقت الحاضر بصرف النظر عن تلاميذه الناقلين عنه .
ولد عام 1856 وعمر طويلا حتى مات فى عام 1938 ، وألف نحو ثلاثين كتابا فى الدراسات النفسية من أشهرها : الذات والذات السفلى The Ego and The Id والطواطم والمحرمات Totem and Taboo وتفسير الأحلام Interpretation of Dreams وثلاث مقالات فى النظرية الجنسية Three Contributions to the Sexual Theory والأمراض النفسية المنتشرة فى الحياة اليومية Psycho Pathology of Every Day Life وكلها تدور - من زوايا مختلفة - حول موضوع واحد مكرر فيها جميعا هو التفسير الجنسى للسلوك البشرى .
خلاصة هذا التفسير أن الطاقة الجنسية هى الطاقة العظمى فى الكائن البشرى ، وهى المسيطرة على طاقاته جميعا ، والموجهة لها ، والمسخرة لها كلها لحسابها الخاص !
يولد الطفل بطاقة جنسية ، وتسيطر عليه - منذ لحظة مولده - تلك الطاقة الجنسية التى ولد بها ، فيرضع ثدى أمه بلذة جنسية ، ويتبول ويتبرز بلذة جنسية ، ويمص إبهامه بلذة جنسية ، ويحرك أعضاءه بلذة جنسية ..
ثم ينمو الصبى فيحس تلقاء أمه بشهوة جنسية (كما تحس الصبية بالشهوة الجنسية تلقاء والدها) ولكنه يجد أباه حائلا بينه وبين الاستيلاء على الأم التى يشعر نحوها بتلك الشهوة الجنسية ، فيكره أباه الذى يحبه فى ذات الوقت ، ويصطرع الحب والكره اللذان يحس بهما فى آن واحد تجاه الأب ، فيكبت الكره فى اللاشعور ، الذى تدفن فيه - ظاهريا - كل الرغبات المكبوتة والمخاوف المكبوتة ولكنها تبقى حية فاعلة مؤثرة موجهة لسلوك الإنسان دون وعى ، ويظهر الحب وحده على السطح لأن ذلك هو الذى يعجب المجتمع ! (أى نفاقا !) ولكن القضية لا تنتهى عند هذا الحد ولا على هذه الصورة . فإن الصبى يأخذ فى حس نفسه ماكن والده ، تعويضا عن عجزه عن الاستيلاء على الأم بسبب قيام والده حاجزا بينه وبينها ، فيروح ينهى نفسه ويأمرها كما ينهاه أبوه ويأمره ، فينشأ الضمير ، وتنشأ - فى نفس الطفل - القيم الأخلاقية التى يتعاطاها المجتمع ويرضى عنها ، كما ينشأ الدين من ذات العقدة التى سماها عقدة أوديب (ويقابلها عقدة إليكترا عند البنت) وهى العقدة الناشئة من الكبت الجنسى لشهوة الصبى الجنسية نحو أمه (وشهوة البنت الجنسية نحو أبيها) .
وهكذا تنشأ القيم العليا كلها : الدين والأخلاق ، والتقاليد المستمدة من الدين ، من تلك العقدة الناشئة من الكبت الجنسى .
وتتركب النفس الإنسانية من طبقات ثلاث :
الطبقة الشهوانية - التى تسطر عليها الشهوة الجنسية وتوجهها - وتسمى - عنده - الذات السفلى The Id وهى طبقة لا شعورية ، والذات The ego وهى الطبقة الوسطى التى يتمثل فيها الوعى وتصدر عنها كل التصرفات الواعية للإنسان ، والذات العليا Super Ego التى تتمثل فيها الضوابط " (1)" الناشئة من الدين والأخلاق والتقاليد المتداولة فى المجتمع ، وهى لا شعورية أيضا ، وتنشأ من الكبت الواقع على الذات السفلى الشهوانية .
ومهمة الذات هى التحايل الدائم على الذات السفلى لإقناعها بأوامر الذات العليا ، وإن كانت هى شخصيا لا تؤمن بها ! يقول فرويد : " إن مهمة الذات بين الضغط الواقع عليها من الذات العليا والذات السفلى معا تصبح كمهمة السياسى الذى يعرف الحقائق ولكنه يداور ويناور إرضاء للجماهير !! "
ويتحدث فرويد - كثيرا - عن القيم العليا .. عن الدين والأخلاق والتقاليد . يقول فى كتاب " الطواطم والمحرمات Totem and taboo " إنه حدثت فى البشرية الأولى حادثة هائلة ما تزال تؤثر فى حياة البشرية إلى هذه اللحظة .
ذلك أن " الأولاد " شعروا بالرغبة الجنسية تجاه أمهم ، فوجدوا أباهم حائلا بينهم وبين الاستيلاء على الأم فقتلوه ! وكانت تلك أول جريمة ترتكب فى البشرية الأولى (وليست هى قتل أحد الأخوين لأخيه كما جاء فى الرسالات السماوية) " (2)" .
ثم أحسوا بالندم فلى قتل أبيهم فقدسوا ذكراه ، فنشأت أول عبادة عرفتها البشرية وهى عبادة الأب (وليس عبادة الله كما جاء فى الرسالات السماوية) " (3) " .
ثم وجدوا أنهم لو تقاتلوا بينهم للاستيلاء على الأم فسيقتل بعضهم بعضا فاتفقوا على ألا يقر بها أحد منهم فنشأ أول تحريم فى العلاقات الجنسية وهو تحريم الأم (وليس لأن الله هو الذى حرمها كما جاء فى الرسالات السماوية) " (4) ".
يقول : وكل الديانات التالية والحضارات قد نشأت من ذلك الحدث الخطير الذى لم يدع لبشرية منذ وقوعه فرصة للراحة !!
فإذا سألته عن سنده فى هذه القصة التى يبنى عليها تفسيرا كاملا للحياة البشرية بأديانها وحضارتها من أول التاريخ إلى آخر التاريخ .. فإنه يجيب .. ولا تحسبه عاجزا عن الإجابة !
يقول : إن دارون يقول : إنه فى عالم البقر تتجه الثيران الشابة إلى الأم لمواقعتها ، فتدور بينهم معركة رهيبة ، يفوز فيها أقوى الثيران وأصلبهم عودا ، فسيتولى وحده على الأم ويندحر الباقون !
وبتعديل بسيط - أو بتحريف بسيط ! تنقل القصة من عالم البقر إلى عالم البشر ، ويقوم عليها تفسير شامل للحياة البشرية !
ويقول عن الأخلاق فى كتاب " الذات والذات السفلى The Rgo and the Id إنها كوابت تكبت المنطلق الطبيعى للطاقة الجنسية ، ويقول إنها تتسم بطابع القسوة حتى فى صورتها العادية !
ويقول عن التسامى Sublimation فى كتاب " ثلاث مقالات فى النظرية الجنسية Three Contributions to the Sexual Theory إنه نوع من أنواع الشذوذ !
" فأما ثالث أنواع الشذوذ فإنه يحدث نتيجة عملية التسامى ، حيث تصرف الطاقة الشهوية الصادرة من منابع جنسية فردية فى مجالات أخرى وينتفع بها فى تلك الحالات ، وبذلك يكتسب الإنسان قوة نفسية كبيرة من استعداد نفسى هو فى ذاته خطير ! "
ويقول عن العلاقات البشرية فى كتاب الطواطم والمحرمات Totem and Taboo إن الازدواج العاطفى Ambivilence أى الشعور بالحب والكره فى آن واحد تجاه الشخص الواحد .. وكبت الكره فى اللاشعور وإظهار الحب على السطح لإرضاء المجتمع ، هو الطابع العام للعواطف البشرية ، فالولد يحب أباه ويكرهه ، ويحب أمه ويكرهها ، والأخ يحب أخاه ويكرهه ، والزوجة تحب زوجها وتكرهه .. والصياح الذى يصيحه الناس على ميتهم هو لإخفاء الفرحة الداخلية التى ملأت نفوسهم لموت !!
ويشرح هذه الظاهرة العجيبة Ambivilence فيقول إنها تتم بطريقة لا شعورية وإنه لا تدخل فيها الحالات التى يتوجه فيها الإنسان بالحب لشخص معين ثم يكرهه لأسباب واعية معلومة ! إنما هو كره لا شعورى تلقائى ، ينشأ فى ذات اللحظة التى ينشأ فيها الحب ، ثم يكبت فى اللاشعور ويظل يعمل من داخل اللاشعور !
ويقول فى كتاب الطواطم والمحرمات Totem & Taboo إن الكبت هو طابع الحياة البشرية بسبب وجود الدين والأخلاق والمجتمع وسلطة الأب .. وما إلى ذلك من القوى القاهرة .. وكلها تتجه إلى كبت الطاقة الجنسية فتنشأ العقد النفسية والاضطرابات العصبية التى لا تترك صاحبها فى راحة ..
ويقول فى معظم كتبه : إن كل الأطفال " الذكور " يصابون بعقدة أوديب فى أول طفولتهم .
ويقول فى كتاب " ثلاث مقالات Three Contributions " : نحن جميعا مصابون بالهستريا إلى حد ما :
تلك خلاصة آرائه وأفكاره عن النفس البشرية والعلاقات الإنسانية .. ولن تتعرض لها هنا بالمناقشة .. " (5)".
كتبه الأسنتاذ محمد قطب
(1) " هذه تسميتنا نحن ، أما هو فيسميها الكوابت !
(2) " " واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ، قال : لأقتلنك له [سورة المائدة : 27]
(3) " " … وعصى آدم ربه فغوى ، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى " [سورة طه : 122] " قالا : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " [سورة الأعراف : 23] " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ، إنه هو التواب الرحيم [سورة البقرة : 37]
(4) " " حرمت عليكم أمهاتكم .. " [سورة النساء : 23]
(5) " سبق لى مناقشتها فى كتاب " الإنسان بين المادية والإسلام " فى فصلى " فرويد " و" القيم العليا " .