بَكَّــــــة و مَكَّـــــــة
وكما سبق وشاهدنا كيف تم حذف اسم زمزم ( انظر زمزم والزمزميون ) من النصوص ونسى النُسَّاخ أن يحذفوا اسم الزمزميين المقيمين حول بئر زمزم . تلاعبوا هنا أيضا فى الاسم القديم لمَكَّة وهو بَكَّة . فقد جاء اسمها فى مزمور ( 84 : 1 ـ 7 ) حسب الأصول العبرية والترجمات الإنجليزية تحت اسم بكا أو بكة ( Baca ) . ولكن الترجمات العربية كانت لها رأيا آخرا كالمعتاد ..!!
فقد جاء النصّ حسب نسخة فانديك المعتمدة هكذا : " ... تشتاق نفسى بل تتوق نفسى إلى ديار الرب . قلبى ولحمى يهتفان بالإله الحىّ ... طوبى للساكنين فى بيتك أبدا يسبحونك . سلاه . طوبى لأناس عِزَّهم بك . طُرُق بيتك فى قلوبهم عابرين فى وادى البكاء يُصيِّرونه ينبوعا . أيضا ببركات يُغطُّون مُورة . يذهبون من قوة إلى قوة ... " .
ونجد هذا النصّ حسب النسخة الكاثوليكية العربية هكذا : " ... تذوب نفسى شوقا إلى ديار الرب . قلبى وجسمى يُرنِّمان للإله الحىّ ... هنيئا للمقيمين فى بيتك . هم على الدوام يُهللون لك . هنيئا للذين عِزَّتهم بك . وبقلوبهم يتوجهون إليك يعبرون فى وادى الجفاف فيجعلونه عيون ماء ، بل بركا يغمرها المطر . ينطلقون من جبل إلى جبل ... " .
قلت جمال : يلاحظ هنا أنَّ العبارات ديار الرب ، بيتك ، مورة ، من جبل إلى جبل .. إذا سمعها المسلمون علموا أنَّ الحديث يشير إلى مكة المكرمة وبيت الله الحرام . وكلمة مورة تذكرهم بجبل الـ مروة ، ومن جبل إلى جبل تذكرهم بالسعى بين جبلى الصفا والـ مروة .
ولكن عبارة وادى البكاء أو وادى الجفاف تعكر صفو الحديث ، فهل البكاء والجفاف موجودان فى الأصل العبرى ..!؟
الموجود فى الأصل العبرى بَكَّة ( ??? ) (1) . من الجذر اللغوى ( ب ك أ ) وليس من الجذر ( ب ك ى ) وهناك فرق .. فقولنا بكأ الضرع أى قل إدراره أى قل لبنه وبكأت العين معناه قل دمعها . ففيه معنى الجفاف وقلة الماء . ووادى مكة كانت هكذا صفته حين هاجر إليه إسماعيل وهاجر وقبل أن تنفجر عين زمزم بالماء ، ولذلك وصفه إبراهيم ? كما جاء فى القرآن بأنه وادٍ غير ذى زرع . أمَّا الجذر بكى فهو من البكاء المعروف . وللعلم فإنَّ هناك جبلا بمكة يُسمى جبل بَكاء وهو على طريق التنعيم عن يمين من يخرج معتمرا (2) .
والكلمة المبحوث عنها هنا عبارة عن اسم مكان ، وأسماء الأماكن لا تتغير بين اللغات ، فاسم ذلك الوادى هو بَكة أو بَكا . والغريب فى الأمر أنَّ الترجمات الإنجليزية للنصّ تكتب اسمه بكا ( Baca ) ولم يترجمون معناه إلى بكاء وجفاف كما فعلت الترجمات العربية للنصّ ..!!
كما أنَّ هناك ملحوظة هامة جدا وهى أنَّ اسم ذلك الإله الحَىّ المذكور فى النصّ ليس يهوه إله اليهود الخاص وإنما هو إيل (3) إله هاجر وإسماعيل وقد سبق ذكر ذلك فى أول الكتاب . كما أنَّ بيت الله هنا هو المذكور فى الأصول العبرية وكذا فى الترجمات العربية تحت اسم بيت إيل . وهو البيت الذى صعد إليه إبراهيم ? أثناء رحلته إلى أرض الجنوب عقب خروجه من مصر ، فدعا الله هناك بالدعاء الذى ذكره القرآن الكريم ثم أذَّنَ للناس فيه بالحج . ولتأكيد القول بأنَّ بكا ( ??? ) هو بَكَّة الاسم القديم لمَكَّة ، وأنها هى المقصودة فى نصّ المزمور ، أذكر للقارىء فقرات من سفر أشعيا ( 60 : 1 ـ 9 ) ليتأمل القارىء فيها ويتعرَّف على البلدة التى تهفوا إليها أفئدة الناس من كل مكان .
وتجتمع فيها ثروات الأمم وثمراتها ، وتنحر فيها كِباش وأغنام نسل إسماعيل عليه السلام :
" قومى استنيرى لأنه قد جاء نورك ، ومجد الرب أشرق عليك . لأنه هاهى الظلمة تغطى الأرض والظلام الدامس الأمم . أما عليك فيشرق الرب ومجده عليك يُرَى . فتسير الأمم فى نورك والملوك فى ضياء إشراقك . ارفعى عَينيك حواليك وانظرى . قد اجتمعوا كلهم . جاؤا إليك . يأتى بنوك من بعيد وتحمل بناتك على الأيدى . حينئذ تنظرين وتنيرين ويخفق قلبك ويتسع لأنه تتحول إليك ثروة البحر ويأتى إليك غنى الأمم . تغطيك كثرة الجِمَال بُكران مِديان و عيفة كلها تأتى من شبا . تحمل ذهبا ولُبانا وتُبشِّر بتسابيح الرب . كل غنم قيدار تجتمع إليك . كباش نبايوت تخدمك . تصعد مقبولة على مذبحى وأزيِّنُ بيت جمالى . من هؤلاء الطائرون كسحاب وكالحمام إلى بيوتها . إن الجزائر تنتظرنى وسفن ترشيش فى الأول لتأتى ببنيك من بعيد وفضتهم وذهبهم معهم لاسم الرب ... " .
لاحظ قارئى العزيز أنَّ الكلام هنا عبارة عن نبوءة مستقبلية كما أفاد بذلك كل علماء المسيحية فى جميع أنحاء العالم . والكلام هنا ينصرف إلى مدينة بعينها لا نستعجل البت فيها قبل أن نتعرف على معانى الكلمات المتناثرة فى النصّ .
إنها مدينة يأتى إليها الناس من كل دول العالم ، بَراً وبَحراً وجَوَّا . وتُنحرُ فيها الأضاحى من جِمال مديان و عيفة و شبا ، وغنم قيدار وكِباش نبايوت . وكل تلك المسميات من مواقع جغرافية وأسماء قبائل ، كلها تقع فى أرض الجنوب فى شبه الجزيرة العربية ولا علاقة لها بفلسطين أو أورشليم . فمناطق مديان وعيفة وشبا تشمل الجزء الغربى لشبه الجزيرة العربية من خليج العقبة شمالا وحتى أقصى الجنوب فى اليمن العربى بمحاذاة ساحل البحر الأحمر أى تشمل إقليم الحجاز كاملا .
أمَّا قيدار ونبايوت فهما من أبناء إسماعيل عليه السلام ( تك 25 : 13 ) . فنبايوت هو الابن البكر لإسماعيل . وقيدار هو الابن الثانى لإسماعيل . والمقصود هنا هو القبائل العربية التى من نسل قيدار ونبايوت المقيمون بوادى بَكَّة وبرية فاران . ومن ذرية قيدار ابن إسماعيل جاء النبىّ العربىّ الأمّىّ مُحَمَّد
صلى الله عليه وسلم. ولا دخل للمسيحيين بهذا النصّ لأنهم لا يقدمون الأضاحى لله تعالى كما يفعل المسلمون ، حيث اكتفوا بأضحيتهم الكبرى وهى مسيحهم وإلههم . كما أنه لا دخل أيضا لليهود بهذا النصّ فمدينتهم المقدسة ليست بأرض الجنوب . وليست لهم علاقة بهذه المسميات العربية من أماكن وقبائل وأشخاص : مديان وعيفة وشبا وترشيش وقيدار ونبايوت و بيت الله . وسوف نتعرَّف على أسماء أخرى لمواقع جغرافية عربية وأحداث هامة فى تاريخ البشرية أثناء أبحاث هذا الكتاب بإذن الله تعالى .
من كتاب نبي أرض الجنوب
ع . م / جمال الدين شرقاوى
هوامش
(1) .. راجع الكلمة العبرية رقم ( 1056 ) فى كل من :
( Strong Exhaustive concordance ) و ( Gesenius Hebrew-Chaldee Lexicon )
(2) .. راجع تاج العروس بشرح القاموس ج 10 ص 43 .
(3) .. راجع النص فى نسخة ( NASB Key study Bible ) والكلمة رقم ( 410 ) التى تشير إلى الإله إيل .