سبق أن عرف القارىء أنَّ القصة التوراتية قد ذكرت أنَّ هناك بئرا قد تفجرت لإسماعيل وأمِّه فى برية فاران . وعرف القارىء أيضا أنَّ كتبة التوراة قد ذكروا أنَّ اسم هذه البئر هو ( بئر لحَىْ رُئىِ أو إيل رئى ) حسب التوراة العبرية و ( بئر الحىّ الناظر ) حسب التوراة السامرية ( راجع تك 16 : 14؛ 21 : 19 ) .
ومَحَى النسَّاخ اسم البئر الحقيقى المتوارث بين نسل إسماعيل وهو زمزم والذى لا يزال إلى الآن شاهدا على تلك القصة التوراتية والقرآنية . بئر تشهد على المعجزة الربَّانية ، بئر ليس لها مثيل فى التاريخ البشرى ، فى عمرها وفى بركة مائها ( طعام طعم وشفاء سقم ) .
وشاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن يترك لنا هؤلاء النسَّاخ المغرضون اسم الذين سكنوا حول بئر زمزم وحملوا اسم البئر فى اسمهم . إنهم الـ زمزميون أو الـ زمزميين . راجع سفر التثنية ( 2 : 20 ) .
وكلمة زمزم مكتوبة بالعبرية هكذا ( זחזח ) والنسبة إليها زَمْزُمى فى صيغة الافراد ، وزَمْزُميون فى صيغة الجمع . وفى العربية نجدهما زَمْزَمىّ و زَمْزَميون .
ومن المتفق عليه عند اللغويين أنَّ تشكيل حروف اللغة العبرية بدأ من القرن السابع وانتهى فى القرن العاشر الميلادى ، من بعد أن انتهى المسلمون من تشكيل كلمات القرآن الكريم . وفى القرن العاشر الميلادى صدرت النسخة المازورتية العبرية المُشكَّلة لأول مرة فى التاريخ . ومعلوم أيضا أنَّ هذه العبرية المُشكَّلة تميل إلى الضَّمّ خلاف العربية التى تميل إلى الفتح فى معظم كلماتها . فكلمة زَمْزَمْ فى العربية تُقرأ فى العبرية زُمْزُمْ بضم الميم الأولى والثانية . وأحيانا يقولون زَمْزُمْ بفتح الميم الأولى وضم الثانية . وهذا التشكيل مُغرض يهدف إلى إبعاد الباحث عن المعنى الصحيح للكلمة الغير عبرية .
وفى نصّ تك ( 14 : 5 ) نجد كلمة أخرى تتبادل فى قراءاتها العبرية مع كلمة زمزميين المذكورة فى تثنية ( 2 :20 ) ، وهذه الكلمة هى زوزيم ( זןזיח ) والتى تكتب فى النسخ العربية زوزيين ، ويقولون لك أنَّ هذه الكلمة مشتقة من جذر غير معروف (1) . وكلمة زَمْزَمْ عربية فصيحة معناها يشرب بتضلع أى على جرعات كأنها كبيرة فتفيض من على فيه . ومعناها أيضا ماء غزير أو فيض من الماء .
وعن الزمزميين هؤلاء يقولون لك فى قواميسهم الكتابية وموسوعاته : أنهم قوم أولى بأس شديد ، وهم من بنى حام . وهذا القول يعود بنا إلى عماليق مصر الذين أقاموا بجوار إسماعيل وهاجر حول ماء زمزم ، وتزوج منهم إسماعيل ..!!
وباعتراف الجميع فإنَّ المصريين من بنى حام كما يقولون . وهكذا تؤدى بنا كل الطرق والمسالك إلى فاران مكة وبئرها زمزم والمصريون القدماء الذين استوطنوا جنوب الجزيرة العربية ثم نزحوا إلى فاران مكة وبنوا الكعبة بعد أن هدمها السيل الشديد .
والعلماء المتخصصون فى جغرافية وتاريخية الكتاب ولغاته القديمة يعرفون جيدا العلاقة بين الزمزميين و بئر زمزم ، ولذلك تجدهم يذكرون لك أن تستبعد المعنى العربى لكلمة زمزم والزمزميين ..!!
من كتاب نبي أرض الجنوب
ع . م / جمال الدين شرقاوى
(1) .. راجع الكلمات أرقام ( 2157 ) و ( 2104 ) فى كل من :
( Strong Exhaustive concordance ) و ( Gesenius Hebrew-Chaldee Lexicon )