قل هاتوا برهانكم عقائد وأديان مسيحيات برهانكم للرد علي شبهات النصارى

خربشات صوماليانو
 
 صوماليانو
[ ]

·التسامح سلاحنا في وجه شنودة
·القمص يوحنا سلامة : البروتستانت حرفوا الكتاب المقدس
·الدوناتستيون
·ابناء الجارية
·ثامار الزانية في ظل الشريعة
·شياطين نشيد الإنشاد
·خربشات صوماليانو
·يوسف النجار .. هل حقا نكح أخته
·حبيبي مد ذكره من الكوة
·تكون سوفريم في نشيد الإنشاد
·مصعب حسن يوسف يهوذا المسلمين
·العهد الجديد
  .  

الرد علي زكريا بطرس
 

[ ]

·مسرحية نشيد الإنشاد
·النكاح في الجنة وشطحات زكريا بطرس
·انتهى زكريا بطرس كغيره والإسلام باق
·أحلام زكريا بطرس
·تأملات في نشيد الأناشيد
·نشيد الإنشاد كأشعار رابعة العدوية
·هلوسات زكريا بطرس
·الرد السماوي على زكريا بطرس
·بيان الشيخ الزغبي
·الرب مخلص مسيحه
·زكريا بطرس يبكي علي أطلال قناة الحياة
·نقل جبل المقطم
  .  

نجلاء الإمام

 - رد شبهات النصارى

موضوع نجلاء الإمام، التى لها قصة مع الآية الخامسة من سورة "التوبة". فما حكاية هذه الآية؟ وما صلتها بتلك المرأة؟ تعالوا لنرى معا. تقول الآية المذكورة: "فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ"، وهى الآية التى شاهدتُ، فى مقطع على المشباك مأخوذ من لقاء بإحدى القنوات التلفازية، نجلاء الإمام المتنصرة فى الآونة الأخيرة ترفعها فى وجه الدكتور سالم عبد الجليل وكيل وزارة الاوقاف لشؤون الدعوة، تتحداه بها على اعتبار أن فيها ما يخجل الإسلام والمسلمين. فتحداها الشيخ الكريم أن تقرأ الآية قراءة صحيحة من المصحف الذى كان تحمله فى يدها وكانت تلوّح به فى وجهه على سبيل التحدى. وقد أراد الشيخ الجليل، من خلال هذا التحدى المضادّ، أن يقول لها إنك لست صاحبة هذه الشبهة، فأنت لا تفهمين القرآن ولا تقرئينه، ولا تعرفين كيف تنطقين الآية مجرد نطق دون أن تخطئى فيها أخطاء لا تليق.



وهنا وجدتُ نجلاء الإمام ترتبك ولا تجيب على تحدى الشيخ إلا بالامتناع عن قراءة الآية بعدما كانت تمسك بالمصحف وتلوح به فى وجه فضيلته ووجوه المشاهدين متحدية كالنمرة الشرسة. والعجيب أن اللقطة التى يبثها الموقع النصرانى مدعيا أنها دليل على أن علماء المسلمين يهربون من المواجهة بعدما انتشر التنوير وأصبح المسلم والمسلمة يستطيعان معرفة الحقيقة التى كانت مغيبة عنهما قبل ذلك قرونا، فلم يعودا ينصاعان لكلام المشايخ وصارا قادريْن على الحكم الصحيح على النصرانية والإسلام وتفضيل الأخيرة بطبيعة الحال، هذه اللقطة ترينا على العكس من ذلك أن نجلاء الإمام هى التى نكصت وتقهقرت. ورغم أن اللقطة القصيرة التى بثها الموقع المذكور لم تقل لنا ماذا كانت نجلاء تريد قوله للشيخ الكريم فإن من السهل تماما معرفة هذا الذى كانت تريد قوله طبقا لما لقنوها إياه قبل حضورها إلى الأستوديو.
تريد نجلاء الإمام أن تقول إن الإسلام يقتل مخالفيه من الباب للطاق، إلا إذ دخلوا فيه واعتنقوه خلافا لما تقتنع به ضمائرهم. ألا يقول القرآن: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد"، اللهم إلا "إن تابوا وأقاموا الصلاة وآتَوُا الزكاة". وهل هناك دليل أسطع من هذا وأشد برهانا على صحة ما قالوه لها من أن دين محمد إنما يعتمد فى انتشاره على السيف؟ وهى، لو أنها كانت تفهم ونظرت إلى الآية التى عقب ذلك مباشرة، لما قالت ما قالت. لكنه عمى القلب والترديد الببغائى لما يلقى إليها فتقوله كما حفّظوها إياه دون تبصر أو فهم. ونص الآية التالية هو: "وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6)". وواضح أن كل ما يريده الإسلام ممن يرفضونه هو أن يسمعوا دعوته، ثم فليرتكنوا بعد هذا إلى ضمائرهم. ذلك أنهم هم الذين سوف يحاسَبون على أعمالهم لا نحن، وليس لنا من ثم أى حق فى اقتحام ضمائرهم عليهم ولا إكراههم على ما لا يريدون اعتناقه حتى لو كانوا يؤمنون بصدق الإسلام فيما بينهم وبين أنفسهم ككثير ممن يؤمنون بأنه هو الدين الحق، إلا أن الخوف أو الطمع أو العناد أو العصبية تمنعهم من إعلان ما يؤمنون به. والآية صريحة الدلالة على أن من واجب المسلم إجارة المشرك عندما يأتى إليه ويستجير به، وأنه لا يجوز له اهتبال الفرصة والضغط عليه بأى وجه بغية اعتناقه للإسلام، بل عليه أن يتركه لما يريد، مع حراسته فى طريق العودة إلى بلده أو على الأقل: إلى المكان الذى يأمن على نفسه فيه. فهل يُعْقَل أن دينا يطلب من أتباعه هذا يمكن أن يفكر مجرد تفكير فى قتل مخالفيه لا لشىء إلا ليكرههم على اعتناقه؟ إذن فماذا نصنع مع الآية التى شهرتها نجلاء الإمام فى وجه الشيخ ووجوه المشاهدين؟
يستلزم الأمر أن نقرأ صدر سورة  التوبة  كله كى تتضح الصورة فى شموليتها وتُفْهَم حق فهمها، وبخاصة إذا ألممنا بالظروف التى نزل فيها ذلك النص، الذى يقول: "بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)".
ومن هذه الآيات يتبين لنا أن الإعلان الموجود فى النص خاص بالمشركين الذين كانت بينهم وبين المسلمين عهود، وليس عاما لكل المشركين. ولهذا دلالته. فلو كان الأمر مبدأ إسلاميا فى قتل المخالفين ما لم يُسْلِموا لما خصص القرآن الكلام للمشركين الذين كانت بينهم وبين المسلمين معاهدات. ورغم هذا أيضا فلم يسارع الإسلام إلى الأمر بقتل أولئك المشركين، بل أعطاهم مهلة أربعة أشهر يستطيعون التحرك فيها بكل حرية قبل أن يؤاخَذوا. ولو كان الأمر أمر مبدإ بإكراه غير المؤمنين بمحمد على الدخول فى دينه أو يُقْتَلوا لما كان هناك معنى لإعطائهم تلك المهلة، إذ ما دام واجبا عليهم، شاؤُوا أم أَبَوْا، أن يعتنقوا الإسلام فخير البر عاجله. وليست هناك أى ضرورة، بل ليس هناك أى معنى، لإمهالهم هذه الشهور الأربعة. أليس كذلك؟
ثم إن الآية السابقة على الآية الخامسة تقول: "إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)". أى أن الإسلام لا يسوى بين المشركين جميعا عاطلا مع باطل، بل يقول إن من كانت بينهم وبين المسلمين عهود فوَفَّوْا بها ولم ينقضوها فلا بد من إتمام عهودهم إلى نهاية مدتها. ومعنى هذا بكل وضوح أن المشركين الأولين الذين حكم القرآن بقتلهم هم طائفة أخرى لم تحترم العهود بل نقضتها وخاست فيها. والوقع أن تلك الطائفة من المشركين قد فجرت فى سلوكها تجاه المسلمين فكانوا يقتلون كل من ساقته الأقدار إلى قبضة أيديهم دون أن يَرْعَوْا فيهم إِلاًّ ولا ذمة، كما كانوا يمدون أيديهم بالتعاون إلى من ليس بينهم وبين المسلمين عهود فيعينونهم عليهم ويحاربونهم معهم غادرين على هذا النحو الخسيس بالاتفاقيات التى كانت بينهم وبين الرسول وأصحابه. فهل كان على المسلمين أن يسكتوا على هذا الغدر وتلك الخيانة؟ لقد كان الإسلام أنبل من كل ما يتوقعه الإنسان، إذ رغم كل هذه الاستفزازات التى كان يرتكبها أولئك المجرمون فإنه لم يسارع بالمناداة بمعاملتهم نفس المعاملة التى يعاملون بها المسلمين، بل أعطاهم فترة إمهال: أربعة شهور كاملة. فأى نبل هذا؟ لكن على من تتلو مزاميرك يا داود؟ إنك لتتلوها على قوم أغبياء ذوى قلوبٍ عمياءَ وضمائرَ غُلْفٍ.
ولقد تكرر هذا التوضيح أكثر من مرة فى تلك الآيات: "كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7)"، "كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)"، "لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)"، "وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12)"، "أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13)". فماذا يريد الإنسان أكثر من هذا؟ أَلاَ إن هذا لكرمٌ بالغٌ لا نظير له فى أى مكان فى العالم؟ ومع هذا كله لم يحدث أن قتل المسلمون أحدا من المشركين الذين نزلت الآية فى حقهم. بل إنه فى فتح مكة بعد ذلك بقليل عفا الرسول عن مشركيها الذين طالموا أذاقوه الأذى وأنزلوا بالمسلمين العذاب وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم.
يقول سيد قطب رحمه الله تعقيبا على تلك الآيات: "كان قد تبين من الواقع العملي مرحلةً بعد مرحلة، وتجربةً بعد تجربة، أنه لا يمكن التعايش بين منهجين للحياة بينهما هذا الاختلاف الجذري العميق، البعيد المدى، الشامل لكل جزئية من جزئيات الاعتقاد والتصور، والخلق والسلوك، والتنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والإنساني، وهو الاختلاف الذي لا بد أن ينشأ من اختلاف الاعتقاد والتصور: منهجين للحياة أحدهما يقوم على عبودية العباد لله وحده بلا شريك، والآخر يقوم على عبودية البشر للبشر، وللآلهة المدَّعاة، وللأرباب المتفرقة. ثم يقع بينهما التصادم في كل خطوة من خطوات الحياة لأن كل خطوة من خطوات الحياة في أحد المنهجين لا بد أن تكون مختلفة مع الأخرى ومتصادمة معها تماما في مثل هذين المنهجين، وفي مثل هذين النظامين. إنها لم تكن فلتة عارضة أن تقف قريش تلك الوقفة العنيدة لدعوة أنْ "لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" في مكة ولا أن تحاربها هذه الحرب الجائرة في المدينة.
ولم تكن فلتة عارضة أن يقف اليهود في المدينة كذلك لهذه الحركة وأن يجمعهم مع المشركين معسكر واحد، وهم من أهل الكتاب، وأن يؤلب اليهودُ وتؤلب قريشٌ قبائلَ العرب في الجزيرة في غزوة الأحزاب لاستئصال شأفة ذلك الخطر الذي يتهدد الجميع بمجرد قيام الدولة في المدينة على أساس هذه العقيدة، وإقامة نظامها وفق ذلك المنهج الرباني المتفرد! وكذلك سنعلم بعد قليل أنها لم تكن فلتة عابرة أن يقف النصارى، وهم من أهل الكتاب كذلك، لهذه الدعوة ولهذه الحركة، سواء في اليمن أم في الشام أم فيما وراء اليمن ووراء الشام إلى آخر الزمان! إنها طبائع الأشياء. إنها أولا طبيعة المنهج الإسلامي التي يعرفها جيدا ويستشعرها بالفطرة أصحاب المناهج الأخرى! طبيعة الإصرار على إقامة مملكة الله في الأرض، وإخراج الناس كافة من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وتحطيم الحواجز المادية التي تحول بين "الناس كافة" وبين حرية الاختيار الحقيقية. ثم إنها ثانيا طبيعة التعارض بين منهجين للحياة لا التقاء بينهما في كبيرة ولا صغيرة، وحرص أصحاب المناهج الأرضية على سحق المنهج الرباني الذي يتهدد وجودهم ومناهجهم وأوضاعهم قبل أن يسحقهم! فهي حتمية لا اختيار فيها في الحقيقة لهؤلاء ولا هؤلاء!
وكانت هذه الحتمية تفعل فعلها على مدى الزمن وعلى مدى التجارب، وتتجلى في صور شتى تؤكد وتعمق ضرورة الخطوة النهائية الأخيرة التي أعلنت في هذه السورة. ولم تكن الأسباب القريبة المباشرة التي تذكرها بعض الروايات إلا حلقات في سلسلة طويلة ممتدة على مدى السيرة النبوية الشريفة، وعلى مدى الحركة الإسلامية منذ أيامها الأولى. وبهذه السعة في النظرة إلى الجذور الأصيلة للموقف وإلى تحركاته المستمرة يمكن فهم هذه الخطوة الأخيرة. وذلك مع عدم إغفال الأسباب القريبة المباشرة، لأنها بدورها لا تعدو أن تكون حلقات في تلك السلسلة الطويلة... وذكر الإمام الطبري بعد استعراضه الأقوال في تفسير مطلع السورة: وأَوْلَى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: لأجل الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله: "فسيحوا في الأرض أربعة أشهر" إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته. فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه فإن الله جل ثناؤه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله: "إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، إن الله يحب المتقين"...".
وفى "تفسير المنار" نقرأ للشيخ رشيد رضا غفر الله له: "من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه أن الله تعالى بعث محمدا رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة ذكرنا كلياتها في تفسير (2: 3 ص190 ص228 ج 1)، وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة، ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة، كما بيناه في تفسير (2: 256 ص26 ص40 ج 3)، فقاومه المشركون، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، وصدوه (ص) عن تبليغه للناس بالقوة. ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب إلا بتأمين حليف أو قريب. فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول (ص) حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علنا في دار الندوة، ورجحوا في آخر الأمر قتله، فأمره الله تعالى بالهجرة كما تقدم في تفسير (الأنفال/ 30): "وإذ يمكر بك الذين كفروا" (ص650 ج 9). فهاجر (ص)، وصار يتبعه مَنْ قَدَرَ على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجَرهم بالمدينة المنورة أنصارا لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم.
وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع ومقتضى العرف العام في ذلك العصر. وعاهد (ص) أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون، فخانوا وغدروا ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة "الأنفال" من هذا الجزء (ص1547 1556). وقد عاهد (ص) المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروطٍ تساهَل معهم فيها منتهى التساهل، عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة. ودخلت خُزَاعة في عهده (ص)، كما دخلت بنو بكر في عهد قريش،. ثم عدا هؤلاء على أولئك، وأعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم. فكان ذلك سبب عودة الحرب العامة معهم وفتحه (ص) لمكة، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله. ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا، وثبت بالتجربة لهم في حالَيْ قوتهم وضعفهم أنهم لا عهود لهم، ولا يؤمَن نقضهم وانتقاضهم، وكما يأتي قريبا في قوله تعالى من هذه السورة/ 7: "كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله" إلى قوله في آخر آية 12: "فقاتلوا أئمة الكفر، إنهم لا أَيْمان لهم لعلهم ينتهون". أي لا عهود لهم يَرْعَوْنها ويَفُون بها. والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية، فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يُدَان به، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه. كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب؟. هذا هو الأصل الشرعي الذي بُنِيَ عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة، وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام عليها. وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة، وجعلها خالصة للمسلمين، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى (البقرة/ 190): "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم" وقوله (الأنفال/ 61): "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" بقدر الإمكان، وإن قال الجمهور بنسخ هذه الآية بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك ".
ويرى الأستاذ محمد عِزّة دَرْوَزَة صاحب "التفسير الحديث" أن السبب فى نزول هذه الآيات هو نقض بعض المشركين لعهودهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الذين لم ينقضوا عهودهم، سواء كانت مؤقتة أو مؤبدة، فقد جاءت السورة بالمحافظة عليها، وأنه حتى إذا انقضت عهودهم فإنه يجوز أن تعقد معهم معاهدات جديدة، وأن هذه الآيات هي الأصل الذي يقيد عموم الآيات الأخيرة في هذه السورة. وفي ذلك يقول في شرح قوله تعالى: "إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين* فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم, إن الله غفور رحيم": "وفي الآيتين وما قبلهما صور من السيرة النبوية في أواخر العهد المدني حيث ينطوي فيهما أنه كان بين المسلمين والمشركين عهود سلم بعد الفتح المكي ربما كانت ممتدة إلى ما قبله، وأن من المشركين من ظلوا أوفياء لعهودهم، ومنهم من نقض أو ظهرت منه علائم النقض والغدر. ولقد نبهنا قَبْلُ على أن أهل التأويل والمفسرين يسمون الآية الثانية من الآيتين اللتين نحن في صددهما: آية السيف، ويعتبرونها ناسخة لكل آية فيها أمر بالتسامح والتساهل مع المشركين وإمهالهم والإغضاء والصفح والإعراض عنهم، وتوجب قتالهم إطلاقا. وبعضهم يستثني المعاهدين منهم إلى مدتهم، وبعضهم لا يستثنيهم ولا يجوّز قبول غير الإسلام منهم بعد نزولها. ونبهنا على ما في ذلك من غلو ومناقضة للتقريرات القرآنية المتضمنة لأحكامٍ مُحْكَمَةٍ بعدم قتال غير الأعداء وترك المسالمين والموادّين وبِرّهم والإقساط إليهم. ولقد كرر المفسرون أقوالهم ورواياتهم عن قدماء أهل التأويل في مناسبة هذه الآية، فروى ابن كثير عن ابن عباس أن الآية أمرت النبي صلى الله عليه وسلم بأن يضع السيف في من عاهدهم حتى يدخلوا في الإسلام، وأن ينقض ما كان سمى لهم من عهد وميثاق...
والآية، كما هو واضح من فحواها وسياقها، هي في صدد قتال المشركين المعاهدين الناقضين لعهدهم وَحَسْب بحيث يسوغ القول إن اعتبارها "آية سيف" وجعلها شاملة لكل مشرك إطلاقا تحميل لها بما لا يتحمله هذا السياق والفحوى، وكذلك الأمر في اعتبارها ناسخة للتقريرات المنطوية في آيات عديدة والتي عليها طابع المبدأ المحكم العام، مثل عدم الإكراه في الدين والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن والحث على البر والإقساط لمن لا يقاتل المسلمين ولا يخرجونهم من ديارهم على ما نبهنا عليه في مناسبات عديدة سابقة. ويأتي بعد قليل آية فيها أمر صريح للمسلمين بالاستقامة على عهدهم مع المشركين الذين عاهدوهم عند المسجد الحرام ما استقاموا لهم، وفي هذه الآية دليل قوي على وجاهة ما نقرره إن شاء الله".
وبالمناسبة فليست آيات سورة"التوبة" هى وحدها التى تناولت موضوع التفرقة بين مشركين يَفُون بما بينهم وبين المسلمين من معاهدات واتفاقيات وبين مشركين آخرين لا يُؤْمَن جانبهم لجريان الغدر والخيانة فى عروقهم ودمائهم. قال تعالى فى سورة "النساء": "فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (89) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولائِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91)". لقد ميزت الآيات بشكل لا يحتمل تأويلاً ولا لَبْسًا بين من يلتزم بشروط العهد الذى بينه وبين المسلمين وبين من يشغب على العهود ويرفع السلاح على المسلمين خيانةً وغدرًا يريد قتلهم والقضاء عليهم وعلى دينهم دون أن يكون قد فَرَط منهم أى شىء يمكن التعلل به فى تبرير هذه الخيانة وذلك الغدر.
ومعروف أن القرآن يقرر على نحو قاطع أنه لا إكراه فى الدين، وأنه من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، وينهى المسلمين عن قتال من لم يَعْتَدِ عليهم أو يقاتلهم، ويأمرهم أن يجنحوا للسلام متى ما جنح عدوهم له، وينفى أن يكون لهم أى سبيل على المشركين الذين لا يمدون إليهم أيديهم بالأذى. بل إنه ليبارك معاملتهم لمن لا يؤذيهم أو يقاتلهم معاملة بر وإقساط: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (البقرة/ 256)، "وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" (الكهف/ 29)، "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة/ 190)، "فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ" (البقرة/ 194)، "فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً" (النساء/ 90)، "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ" (الأنفال/ 61- 62)، "عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الممتحنة/ 7- 9).
لكن الأوغاد يسيئون الأدبَ مع سيدنا رسول الله، إذ يتهمونه بالقتل وسفك الدماء والمجىء بدين يقوم على إكراه الناس على اعتناقه برهبة السيف وتهديم بيوت عبادتهم، وفى نفس الوقت نراهم يزعمون أن دين النصرانية يقوم على المحبة والسلام! وأَوَّلَ كلِّ شىء لا بد أن نلفت الأبصار إلى أن المسيح عليه السلام لم يكن، حين ترك الدنيا، قد مضى عليه فى النبوة أكثر من ثلاث سنوات ليس إلا، ومن ثم لا يمكن التحجج بأنه لم يشرع لأتباعه قتال من يعتدون عليهم. كما أنه لم يكن يعيش فى دولة مستقلة، فضلا عن أن يكون هو الحاكم فيها مثلما هو الحال مع الرسول محمد عليه السلام. وإذن فقياس الوضعين أحدهما على الآخر خطأ أبلق وأبله معا. وهذا لو أن السيد المسيح، حسبما تحكى قصةَ حياته الأناجيلُ التى بين أيدينا، كان فعلا وديعا متسامحا دائما مثلما يحب النصارى أن يعتقدوا ويعتقد الآخرون معهم. فما أكثر الشتائم واللعنات التى كان يرمى بها فى وجوه اليهود بل فى وجوه تلاميذه أيضا، من مثل قوله لأحد اليهود: "يا مُرَائى" (متى/ 7/ 5)، وقوله لتلاميذه ينصحهم ألا يهتموا بمن لا يستطيعون فهم دعوته مشبها إياهم بالخنازير الغبية، وكأن دين الله يصح إغلاقه فى وجه أحد: "لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تلقوا جواهركم قدام الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وترجع فتمزّقكم" (متى/ 7/ 6)، وقوله لبعض الفَرّيسيّين: "يا أولاد الأفاعى" (متى/ 12/ 3)، وقوله لأهل كورزين وصيدا: "الويل لك يا كورزين! الويل لك يا بيت صيدا!" (متى/ 11/ 21، ولوقا/ 10/ 13)، وقوله لمن طلبوا منه آية: "الجيل الشرّير الفاسق يطلب آية" (متى/ 12/ 38، و16/ 4)، وقوله عن غير الإسرائيليين ممن يريدون أن يستمعوا لدعوته ليهتدوا بها إنهم كلاب لا تستحق الشفقة: "ليس حسنا أن يؤخَذ خبز البنين ويُلْقَى للكلاب" (متى/ 15/ 26)، وقوله لبطرس أقرب تلاميذه إليه: "اذهب خلفى يا شيطان" (متى/ 16/ 23، ومرقس/ 8/ 33)، وقوله لحوارييه يشتمهم ويبكتهم ويتهمهم بالغفلة والغباء: "أحتى الآن لا تفهمون ولا تعقلون؟ أَوَحَتَّى الآن قلوبكم عمياء؟* لكم أعين، أفلا تبصرون؟ ولكم آذان، أفلا تسمعون ولا تذكرون؟" (مرقس/ 8/ 17)، وقوله لبعض الفَرِّيسِيّين سابًّا مهددًا: "أيها الجهال... ويل لكم أيها الفريسيون" ( لوقا/ 11 / 39 – 50)، وقوله عن فَرِّيسِىّ آخر: "هذا الثعلب" (لوقا/ 13/ 32). ولا ينبغى فى هذا السياق أن نهمل ما صنعه مع الباعة فى الهيكل حين قلب لهم موائدهم وكراسيّهم وسبّهم وساقهم أمامه حتى أخرجهم من المعبد (مرقس/ 12/ 15 – 17)، وكذلك قوله لحوارييه: "أتظنون أنى جئت لأُلْقِى على الأرض َسلاما؟ لم آت لألقى سلاما لكنْ سيفا* أتيتُ لأفرِّق الإنسان عن أبيه، والابنة عن أمها، والكَنَّة عن حماتها" ( متى/ 10/ 34 – 35)، وقوله أيضا فى نفس المعنى: "إنى جئت لألقى على الأرض نارا، وما أريد إلا اضطرامها" (لوقا/ 12/ 44).
من هذا يتبين أن الصورة الوديعة تمام الوداعة التى يرسمها النصارى للسيد المسيح ليست حقيقية، بل هى من مبالغاتهم التى اشتهروا بها. ولست أقول هذا حَطًّا من شأنه عليه السلام، فهو نبىٌّ كريم لا يكمل إيماننا نحن المسلمين إلا به، لكنى أريد أن أقول إن الطبيعة الإنسانية لا يمكن أن تتحمل السماحة والصبر إلى أبد الآبدين، ولا بد أن تأتى على أحلم الحلماء أوقات يضيق منه الصدر ويثور على المجرمين. كل ذلك رغم أن المسيح عليه السلام لم ينفق فى الدعوة ومخالطة الناس فى ميدانها إلا سنواتٍ ثلاثًا لا غير. بل إن النصارى، فى السِّيَر التى ألفوها عنه وأطلقوا عليها: "أناجيل"، قد نسبوا إليه بعض التصرفات التى أقلّ ما توصف به أنها تصرفات جافية تفتقر إلى اللياقة تجاه أمه عليها السلام: من ذلك أنه، بينما كان يعظ فى أحد البيوت ذات يوم، أُخْبِر أن أمه وإخوته بالخارج يريدون أن يَرَوْه ولا يستطيعون أن يصلوا إليه من الزحام، فما كان منه إلا أن أجابهم قائلا فى استنكار ونفور: "إن أمى وإخوتى هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها" (لوقا/ 8 / 19 – 20 )، وحين دعت لـه امرأة بأنْ "طُوبَى للبطن الذى حملك، وللثديين اللذين رضعتَهما" ردَّ فى جفاء: "بل طوبى لمن يسمع كلمة الله ويعمل بها" (لوقا/ 11/ 27– 28). وليس لهذا من معنى، فضلا عن الخشونة التى لا يصح سلوكها تجاه من حَمَلتْنا وربَّتْنا، إلا أنها لم تكن هى ولا إخوته ممن يسمعون كلمة الله ويعملون بها!
وفى مناسبة أخرى كان هو وأمه فى عرس فى قانا الجليل، وفرغت الخمر فنبهته إلى ذلك، فأجابها فى غلظة: "ما لى ولك يا امرأة؟" (يوحنا/ 2/ 1- 3). لكأن مؤلفى الأناجيل قد تعمدوا أن يشوهوا سيرته وصورته! لكننا بطبيعة الحال لا نصدّق بشىء من ذلك، فقرآننا يؤكد أنه عليه السلام كان بَرًّا بوالدته غاية البِرّ (مريم/ 32). على أن المسألة لا تنتهى هنا وحسب، بل إنهم ليصورونه، عقب مقتل النبى يحيى قريبه اللصيق، كما لو كان بلا قلب أو مشاعر، إذ نراه بعد علمه بمقتل هذا النبى الكريم تلك القِتْلة المأساوية المعروفة يأخذ أتباعه ويمضى بهم خارج المدينة ليمارسوا حياتهم ويأكلوا كما كانوا يفعلون من قبل، وكأن شيئا لم يقع (متى/ 14/ 12 وما بعدها، ومرقس/ 6/ 28 وما بعدها)، وهو ما يدل على تحجر الإحساس، أستغفر الله! كذلك كان سائرا ذات مرة فى الطريق فجاع، ورأى شجرة تين هناك، فدنا إليها لعله يجد فيها تينا يأكله، فلما لم يجد فيها ثمرا دعا عليها ألا تثمر إلى الأبد فلا يأكل أحد منها شيئا، فيبست التينة لوقتها، وكان هذا فى رأيه برهانا على قوة الإيمان (متى/ 21 / 19 وما بعدها، ومرقس/ 11/ 12 وما بعدها). وإن الإنسان ليتساءل: كيف يمكن أن يُعَدّ هذا برهانا على قوة الإيمان؟ وما ذنب التينة يا ترى؟ وما الفائدة التى تعود على الناس أو الحياة من اليبوسة التى أصابتها؟ ألم يكن هناك برهان آخر أكثر نفعًا ومعقوليةً يمكن أن يقوم به السيد المسيح الذى يضرب النصارى به الأمثال فى الحِلْم والوداعة؟ ثم إن هذا التصرف من السيد المسيح يناقض ما أراده من المثل الذى ضربه فى موقف آخر عن التينة ، وخلاصته أن رجلا كانت لـه شجرة تين مغروسة فى كَرْمِهِ ظلت لا تثمر ثلاث سنين، فطلب من الكَرّام أن يقلعها ليستفيد من مساحة الأرض التى تشغلها، لكن الكرّام استسمحه أن يتركها هذه السنة أيضا على أن يقطعها العام القادم إذا لم تثمر، فأجابه صاحب الأرض إلى طِلْبته (لوقا/ 13/ 6– 9). ومغزى المثل أن الله يعطى الفرصة للعاصين مرة واثنتين وثلاثا قبل أن يأخذهم بذنوبهم. فلماذا لم يطبق المسيح عليه السلام هذا المبدأ مع التينة، التى ليس لها مع ذلك عقل الإنسان ولا إرادته؟ خلاصة القول إننا لو قارنّاه برسولنا الكريم، عليه وعلى ابن مريم السلام، لوجدنا أن النبى محمدا كان أحلم وأطول بالا وأوسع صدرا، وظل هكذا، لا ثلاث سنوات فقط مثله، بل ثلاثة وعشرين عاما!
أما فى حالة الرسول محمد بعد الهجرة إلى المدينة فقد كانت هناك دولة سرعان ما وجدت نفسها منغمسةً فى حروب مع هذا ومع ذاك، شأنها فى ذلك شأن ما يحدث للدول فى كل مكان وزمان ما دمنا نعيش فى دنيا البشر لا فى دنيا الملائكة. أما حكاية "من لطمك على خدك الأيمن فحَوِّل له الآخر" فهذا كلام غير قابل للتطبيق، ولا يترتب عليه إلا خراب المجتمعات والدول، وفوز الذئاب والكلاب من البشر بكل شىء، وذهاب الناس الطيبين فى ستين داهية غير مأسوف عليهم من أحد! ثم أين هذا الصنف من الناس الذى تضربه على خده الأيمن فيدير لك الأيسر لتَحِنّ عليه بما لذّ وطاب من الصفع والإهانة؟ أَرُونِى واحدا يفعل ذلك! بل إن المسيح نفسه لم يفعل هذا! حتى الصَّلْب، الذى يزعمون أنه عليه السلام إنما أُرْسِل إلى الأرض ليتحمله فداءً للبشر الخُطَاة، ظل يسوّف فيه ويحاول تجنبه ما أمكن، وعندما وقع أخيرا فى أيدى الجنود وأخذوا يعتدون عليه بالشتم والضرب كان يعترض على ما يوجهونه إليه من أذى. بل إنه، وهو فوق الصليب، أخذ يجأر إلى ربه كى يزيح عنه تلك الكأس المرة. وهذا كله قد سجَّله مؤلفو الأناجيل أنفسهم!
ثم تعالَوْا بنا إلى واقع الحياة، فماذا نجد؟ لننظرْ إلى الحروب التى خاضها النصارى وتلك التى خاضها المسلمون ونقارن بينهما. وأول ما يلفت النظر بطبيعة الحال أن النصارى قد خاضوا الحروب وقاتلوا وقَتَلوا ولم يديروا خدهم لا اليمين ولا الشمال لأحد، اللهم إلا كِبْرًا وبَطَرًا وتجبُّرا. ومع هذا فإنهم ما زالوا سادرين فى سخفهم وسماجتهم ومحاضرتهم لنا عن التسامح والمسكنة والتواضع وإدارة خدك الأيسر لمن يصفعك على أخيه الأيمن وترك إزارك له أيضا إذا أخذ منك رداءك. لقد أبادوا أمما من على وجه الأرض فلم تبق لها من باقية: حدث هذا فى أمريكا على يد الأوربيين الذين هاجروا إليها فى مطالع العصور الحديثة وظلوا يشنون الغارات على الهنود الحمر أصحاب البلاد وينشرون بينهم الأوبئة التى لم يكن لهم بها عهد حتى أفنَوْهم عن بَكْرَة أبيهم تقريبا، وذلك بمباركة القساوسة الناطقين باسم المسيح وحاملى رسالة التواضع والمحبة والتسامح وإدارة الخد الأيسر، والتنازل عن الرداء والإزار معا وسير صاحبهما عاريًا حافيًا كما ولدته أمه! وحدث هذا أيضا فى أستراليا نحو ذلك الوقت! ولقد ناب المسلمين والعرب من هذه المحبة جانب، إذ بعد أن انتصر فرديناند وإيزابلا على بنى الأحمر فى شبه جزيرة أيبريا وأصبحت الأندلس نصرانية، رأينا هذين الملكين ينقلبان على المسلمين الذين بَقُوا فى بلادهم لم يغادروها مع من غادرها، فيغدران بهم ويُثْخِنان فيهم تقتيلا وتنصيرا، ضاربَيْنِ عُرْضَ الجدار بالمعاهدات التى تكفل للمسلمين الأمان والحرية الدينية والاحتفاظ بممتلكاتهم لا تُمَسّ، حتى لم يعد هناك بعد فترة وجيزة فى تلك البلاد مخلوق يوحّد الله. والبركة فى محاكم التفتيش التى أقامها خلفاء السيد المسيح ناشرو دعوة التسامح والتواضع والمحبة على الورق وفى عالم الدعاية الكاذبة الفاجرة لا غير، أما فى دنيا الواقع فإنها لا تسمن ولا تغنى من جوع أو قتل أو حرق أو سلخ أو تكسير للعظام أو سَمْل للعيون أو تغريق فى البحر أو مصادرة للأملاك أو... أو... أو...! فانظر إلى ما فعله المسلمون حين فتحوا تلك البلاد تدرك الفرق بين النفاق النصرانى المتشدق زورا وبهتانا بالمبادئ الخلقية الورقية التى لم تعرف السبيل يوما إلى التطبيق على الأرض، وبين المثالية الإسلامية الواقعية التى لا تعرف هذه الشقشقات اللفظية، لكنها لا تنزل أبدا إلى هذا الدرْك الأسفل من القسوة والتوحش مهما خالفت عن أمر دينها ولم تلتزم به كما يحدث فى دنيا البشر أحيانا! إن المسلمين متَّهَمون دائما بأنهم نشروا دينهم بالسيف، مع أنه لم يثبت قط أنهم أكرهوا شعبا على ترك دينه كما فعل النصارى فى كثير من الدول التى احتلوها مما ذكرنا منه أمثلة ثلاثة ليس إلا.
وأَدَعُ هنا الحديث لرجل غربى هو الصحفى فنسينزو أوليفيتى، الذى لم تَرُقْ له مفتريات الزعيم الأنجليكانى باتريك سُوكْدِيو ضد الإسلام فى مقال له بصحيفة "السِّبِكْتِيتَرْ" البريطانية فى 30 يوليه 2005م، فكتب يرد عليه فى مقال عنوانه: "القول بأن الإسلام المعتدل خرافة هو الخرافة" ننقل منه الفقرات التالية: "فى مقال نُشِر مؤخرًا فى مجلة "السِّبِكْتِيتَرْ" البريطانية يهاجم الزعيم الأنجليكانى باتريك سوكْدِيو المسلمين ودينهم هجوما عنيفا. ترى هل يَثْبُت ما كتبه المؤلف فى ذلك المقال على محك التمحيص؟ الواقع أن مقالة باتريك سوكديو: "خرافة الإسلام المعتدل" فى "السبكتيتر" اللندنية بتاريخ 30 يونيه 2005م تعكس اتجاها خطيرا فى الحرب على الإرهاب، إذ تحت ستار الرغبة فى تعريف الغربيين بالإسلام نجده ينشر نفس التضليل الذى تقوم عليه الكتابات العدائية لذلك الدين على مدار أكثر من ألف عام، وهذا من شأنه أن يكون أداة مباشرة فى يد أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوى وغيرهما، لأنه يشجع فكرة "صراع الحضارات" التى يرغبون فى دوامها على نحوٍ جِدِّ مَقِيت. وإنه لمن المهم جدا أن نعرف الإسلام على نحو أفضل مما نعرفه الآن وأن نكافح وباء التطرف بكل ما فى أيدينا من إمكانات. بيد أن سوكْدِيو وأمثاله يفسدون القضية بطريقتهم التى يَسْعَوْن من ورائها إلى خدمة أغراضهم هم، وذلك من خلال تحويل الحرب على الإرهاب إلى إشعال حرب دينية على الإسلام ذاته.
ويتضح انحياز سوكْدِيو منذ البداية، فهو يزعم أن الإرهابيين يمثلون الإسلام حقا، إذ يقول: "ينبغى علينا أن نصدقهم إذا قالوا إنهم يفعلون ذلك باسم الإسلام. أليس من الغطرسة الشديدة والتنكر التام لليبرالية أن ننكر عليهم الحق فى تعريف أنفسهم بأنفسهم؟". أما فى باقى المقالة فهو يبذل جهدا مكثفا لإنكار حق التعريف الذاتى على سائر المسلمين الآخرين الذين يقولون إنهم يرفضون التفاسير المتطرفة للإسلام. والحقيقة أن 5% فحسب من المسلمين هم الذين يمكن تصنيفهم على أنهم أصوليون، وأن 1., . % فقط من هؤلاء الخمسة فى المائة يُبْدُون قدرا من الميل نحو ممارسة الإرهاب أو "العنف الدينى". إنها إذن "قمة التنكر للّيبرالية" أن نعرّف نحو المليار وثلث المليار من المسلمين بأنهم إرهابيون رغم أنهم لا صلة بينهم وبين "العنف الدينى" بأى حال، لمجرد أخطاء يرتكبها هامش ضئيل لا يزيد عن 005,. %. وعلى أكثر تقدير فإن واحدا فقط من كل 200000 مسلم يمكن اتهامه بالإرهاب. أى أن كل ما هنالك من إرهابيين فى العالم لا يزيدون عن 65 ألفا ليس إلا، وهو تقريبا نفس عدد القتلة الطُّلَقاء فى الولايات المتحدة وحدها، فضلا عن أكثر من 200 ألف قاتل أمريكى فى العام الواحد فى أمة تعدادها لا يتجاوز 300 مليون نسمة.
ويدعى سوكْدِيو أن على المسلمين "الالتزام بالصدق والإقرار بالعنف الذى يصبغ تاريخهم". ومع ذلك فحين نأخذ فى الاعتبار أن معظم الكتب التى تتحدث عن اعتداءات المسلمين قد كُتِبت بأقلامٍ مسلمةٍ كان من الصعب القول بأن المسلمين بوجه عام قد اختاروا تجاهل الفظائع التى ارتكبوها فى الماضى. وبطبيعة الحال هناك مسلمون ينكرون بعضا من ذلك الماضى، بالضبط مثلما أن هناك بريطانيين لا يزالون ينكرون فظائع الحقبة الاستعمارية، ومثلما أن هناك أمريكيين ينكرون المجازر التى اجترحوها فى حق سكان أمريكا الأصليين، ومثلما أن هناك ألمانًا ينكرون المحرقة التى قضت على ستة ملايين يهودى. إلا أن الحقيقة المرة مع ذلك كله تقول إن الحضارة النصرانية قد ارتكبت من الفظائع ما يزيد كثيرا جدا على ما ارتكبته الحضارة الإسلامية، حتى لو وضعنا فى الحسبان التعداد الأكبر الذى بلغه أصحابها والعمر الأطول الذى استغرقه تاريخها.
الحق أنه لا وجود فى أى مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامى لمثل ذلك المبدإ الذى كان ينادى به القديس أوغسطينوس، وهو : "عليكم أن تنصِّروهم قَسْرًا وإكراهًا". بل إن القرآن ليقول العكس من ذلك تماما كما فى الآية السادسة والخمسين بعد المائتين من سورة "البقرة"، ونصها: "لا إكراه فى الدين". لقد أدت فكرة أوغسطين المرعبة التى توجب إكراه الجميع على "التطابق" مع "العقيدة النصرانية الصحيحة" إلى قرون من سفك الدماء الذى ليس له فى تاريخ البشرية نظير. أجل، لقد عانى النصارى أثناء سلطان الحضارة النصرانية أكثر مما عانَوْا تحت سلطان الرومان قبل مجىء النصرانية أو أى سلطان آخر طوال التاريخ. لقد تجرع الملايين غصص التعذيب وذُبِحوا ذبحا باسم النصرانية أثناء البدع الآريوسية والدوناتية (الدوناتستيون )  والألبيجينية، ودعنا من محاكم التفتيش المختلفة أو الحروب الصليبية التى كانت الجيوش الأوربية تقول فيها وهى تجزر رقاب المسلمين والنصارى معا: "اقتلوهم عن بَكْرة أبيهم، ولسوف يميز الله من يخصّونه ممن لا يخصّونه". وغَنِىٌّ عن القول أن هذه الاعتداءات التى قام بها النصارى، بل كل الاعتداءات النصرانية على مدار التاريخ، لا صلة بينها على الإطلاق وبين السيد المسيح أو حتى بينها وبين الأناجيل كما نعرفها. أجل لا يوجد مسلم واحد يمكن أن يؤاخذ السيد المسيح (الكلمة التى صارت جسدا بالنسبة للنصارى والمسلمين جميعا)، فكيف إذن تواتى سوكْدِيو نفسُه على محاسبة القرآن (كلمة الله التى صارت كتابا بالنسبة للمسلمين) على الاعتداءات الإسلامية (التى تقلّ كثيرا جدا عن نظيرتها النصرانية)؟
والواقع أن ذلك العنف الأعمى الذى لا يعرف التمييز لا يقتصر البتة على "عصور الظلام" فى أوربا أو على فترة واحدة من التاريخ النصرانى دون سواها، فحركات الإصلاح الدينى والحركات المضادة لها قد دفعت كلتاهما بالمجازر التى ارتكبها النصارى بعضهم فى حق بعضهم إلى آمادٍ قياسيةٍ غير مسبوقة، إذ تمت إبادة ثلثى النصارى فى أوربا خلال تلك الفترة. ثم لا ينبغى أن ننسى الحروب النابليونية من 1792 إلى 1815م، ولا تجارة الرقيق الأفريقى التى حصدت أرواح عشرة ملايين إنسان، أو الغزو الاستعمارى المتلاحق، فضلا عن الحروب والبرامج والثورات والإبادات الأخرى. إن أعداد السكان الأصليين الذين أبيدوا فى شمال أمريكا ووسطها وجنوبها لترتفع إلى رقم العشرين مليونا فى خلال ثلاثة أجيال لا غير.
وبالإضافة إلى ألوان التخريب والعنف الأوربى فى الماضى، أخذت الحضارة الغربية الحروب مرة أخرى إلى مسافاتٍ لم تعرفها البشرية من قبل حتى إن أحد الإحصاءات المتحفظة ليصل بعدد المقتولين قتلا وحشيا فى القرن العشرين إلى أكثر من مائتين وخمسين مليونا يتحمل المسلمون منها وِزْر أقل من عشرة ملايين ليس إلا، على حين يُسْأَل النصارى أو المنتمون إلى النصرانية عن مائتى مليون من ذلك العدد. و يعود معظم أعداد هؤلاء القتلى إلى الحرب العالمية الأولى (20 مليونا، 90 % منها على الأقل تمت على أيدى "نصارى") والحرب العالمية الثانية (90 مليونا، 50 % منها على الأقل تمت على أيدى "نصارى"، أما الباقى فقد وقع أغلبه فى الشرق الأقصى). وبالتأمل فى ذلك التاريخ المرعب يجب علينا نحن الأوربيين جميعا أن نعى تماما الحقيقة الساطعة التى تؤكد أن الحضارة الإسلامية أقل بما لا يقاس من ناحية القسوة والوحشية من الحضارة النصرانية. ترى هل كانت المحرقة التى راح ضحيتها 6 ملايين يهودى من صنع حضارة المسلمين؟
وفى القرن العشرين وحده نجد أن الغربيين والنصارى قد ارتكبوا من جرائم القتل أضعاف ما وقع من الدول الإسلامية عشرين مرة على أقل تقدير. ولقد تسببنا نحن الغربيين فى هذا القرن الذى لم يشهد التاريخ مثله دموية فى إيقاع الإصابات بين المدنيين بما لا يقاس به ما صنعه المسلمون على مدار تاريخهم جميعا: انظر إلى إزهاق أرواح 900000 رواندى عامى 1992م و1995م فى بلدٍ أكثر من 90% من سكانه نصارى، أو انظر إلى إبادة أكثر من 300000 مسلم، وكذلك الاغتصاب المنظم لأكثر من 100000 امرأة مسلمة فى البوسنة، على يد نصارى الصرب. فهذه الحقائق البشعة تقول بلغة الأرقام والإحصاءات التى لا تعرف الكذب إن الحضارة النصرانية هى أشد حضارات التاريخ عنفا ودموية، وإنها مسؤولة عن إزهاق مئات الملايين من الأرواح.

لقد كان إنتاج الأسلحة النووية واستعمالها كفيلا فى حد ذاته بأن يجعل الغرب يتوارى خجلا أمام باقى شعوب العالم: فأمريكا هى التى صنعت الأسلحة النووية، وأمريكا هى الدولة الوحيدة التى استخدمت الأسلحة النووية، والدول الغربية هى التى تسعى إلى الحفاظ على احتكار الأسلحة النووية. وعلى هذا الأساس فليس لنا الحق بتاتا فى الاعتراض على حيازة الدول الأخرى لهذه الأسلحة إلا إذا أثبتنا أننا متجهون إلى التخلص منها تماما.
بقية رد د. إبراهيم عوض علي نجلاء الإمام

د. إبراهيم عوض

  أرسلت في الأثنين 04 يناير 2010 اعتمد بواسطة abasheikh  


 

روابط ذات صلة
 · زيادة حول - رد شبهات النصارى
· الأخبار بواسطة abasheikh


أكثر مقال قراءة عن - رد شبهات النصارى:
هل انتشرت دعوة الإسلام بالسيف ؟

  .  

تقييم المقال
 
المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

  .  

خيارات
 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

  .  

عبد الباسط عبد الصمد

الرد على القمص إبراهيم لوقا

تنزيه القرآن الكريم

العقيدة المسيحية

الأسفار القانونية الثانية والأبوكريفا

الله واحد أم ثلاثة


برهانكم للرد علي شبهات النصارى مكرس للرد علي ترهات النصاري وتطاولهم علي الإسلام .. حقوق النشر متاحة للجمع ونرجوا ذكر صفحة المقال واسم الكاتب ..