فمََن جَهل هذه الأمور وغابت عنه هذه الحقائق ، أو تجاهلها ولم يجهلها وتغابى عنها ولم تغب عنه فعليه إن أراد الفلاح لنفسه ولأهله أن يولى وجهه شطر الحق الأبلج أولا ثم يبين ذلك للناس ولا يكتمه .
هناك ثلاث كلمات هامة يجب معرفة معناها قبل الحديث والبحث عن العرب وجزيرة العرب فى الكتاب المقدس المسيحى . نجدها كثيرا فى المراجع الكتابية الأجنبية الإنجليزية وهذه الكلمات الثلاث هى :
( Arabia ـ Arabiansـ Arabs ) . فكلمة ( Arabs ) تعنى عندهم العرب كجنس بشرى ، الذين يتكلمون باللسان العربى بغض النظر عن موطن الاقامة تحديدا . وكلمة ( Arabians ) تعنى السكان العرب المقيمون بشبه الجزيرة العربية تعيينا . أمَّا كلمة ( Arabia ) فهى تعنى عندهم أرض شبه الجزيرة العربية وليس سكانها . وهذه الكلمات الثلاث لها شأن كبير فى نصوص الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد . مما يوحى إلى القارىء بأنَّ هناك امتدادا تاريخيا وجغرافيا وعقديا لنصوص التوراة والإنجيل فى شبه الجزيرة العربية . امتداد قديم الجذور تشير سيقانه وفروعه إلى الدين الخاتم ورسوله النبىّ العربىّ الأُمِّىّ صلى الله عليه وسلم . مما حدى بمترجمى النسخ المعاصرة للكتاب المقدس إلى أن يستبدلوا هذه الكلمات التى تشير إلى الأمَّة العربية وإلى الجزيرة العربية بكلمات أخرى . مُحاولة منهم لطمس الحقائق ومحو صحيح معناها كما سنرى بعد قليل .
فعلى سبيل المثال نجد أنَّ المترجمين للنسخة الإنجليزية القياسية المحققة الجديدة ( NRSV ) قد استبدلوا فى مواضع كثيرة كلمة ( Arabia ) التى تشير إلى أرض شبه الجزيرة العربية بعبارة مُسَطَّح صحراوى ( Desert plain ) واستبدلوا كلمة ( Arab ) أى عَرَبىّ وكتبوها ( Nomad ) أى بدوىّ مع أنَّ العبرية القديمة والآرامية والعربية فيها اشتقاقات كثيرة تفرق بين هذه المصطلحات وتحدد معانيها بدقة شديدة . فكلمة ( Arab ) نجدها فى الأصول العبرية تكتب ( עךבי ع ر ب ى ) التى تنطق عَرَبىّ وليس بدوى ( Nomad ) كما يريدون ، ليخرجوا النصوص من جزيرة العرب ومن الجنس العربىّ ..!! إنهم يلبسون الحق بالباطل كما بين القرآن الكريم ] يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون [ ( 71 / آل عمران ) .
كما أنَّ هناك أسماء لأماكن فى الجزيرة العربية نطالعها كثيرا فى فقرات الكتاب يرجع معظمها إلى أسماء أبناء إسماعيل عليه السلام الاثنى عشر المذكورين فى نصّ ( تك 25 : 14 ـ 16 ) مثل قيدار ودومة ومسَّا وتيما . أطلقت أسماءهم على أسماء الأماكن التى عاشوا فيها ، فقيدار وذريته من بعده عاشوا فى منطقة مكة المكرمة وجاءت منهم قريش . ودومة وذريته من بعده عاشوا فى الشمال الغربى للجزيرة العربية الجوف حاليا والمعروفة فى كتب السيرة والتاريخ بدومة الجندل . وتيما وذريته من بعده عاشوا فى منطقة يثرب أى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأذكى السلام . أمَّا عن مسَّا وذريته فقد انتشروا فى كل إقليم الحجاز وأقصى الجنوب العربىّ حتى شملتهم كل حدود الجزيرة العربية ، فكل عربىّ يقطن الجزيرة العربية يصح أن يقال عنه أنه من قوم مسَّا أو مسَّاوى . وكل هذه الأسماء والمسميات تشير بصراحة شديدة إلى أنَّ هناك أمرا هاما ودورا بارزا ادَّخره الله تعالى للعرب ولجزيرة العرب . ونصوص الكتاب خير دليل على ذلك .
ترقب ظهور رسالة إلهية من جزيرة العرب
وبقايا نصوص تنبأت عن حادث الهجرة وغزوة بدر الكبرى
أولا : مع فقرة سفر أشعياء ( 21 : 11 ـ 17 )
وعنوان هذه الفقرة كما هو مكتوب فى نسخة ( NASB ) الإنجليزية هو : ( Oracles about Edom and Arabia ) وكلمة ( Oracle ) معناها العربى هو وَحْىّ . وكلمة ( Arabia ) تعنى الجزيرة العربية ، أمَّا كلمة ( Edom ) فهى تكتب فى الأصل العبرى ( دومة דןחה ) وهى المنطقة التى سكنها دومة ابن إسماعيل وذريته من بعده . وتعْرف فى الموسوعات الكتابية باسم الجوف ( el-Jof ) والتى يعرفها العرب قديما وحديثا تحت اسم دومة الجندل ( Dumat el-Jendel ) (1) المذكورة فى كتب السيرة النبوية العطرة . وهى تقع فى الشمال الغربى لشبه الجزيرة العربية . ومعنى الفقرة فى العربية هو : " وَحْىّ من جهة دومة الجندل ، ومن جهة الجزيرة العربية " .
وفى بعض النسخ الإنجليزية تم فصل الفقرة السابقة إلى فقرتين . فمثلا نجدها فى نسخة ( GNB ) قد كتبت هكذا ( A Message about Edom ) بمعنى رسالة عن ايدوم و ( A Message about Arabia ) بمعنى رسالة عن الجزيرة العربية .
ونجدها قد كتبت بطريقة أوضح فى نسخة ( NIV ) فالفقرة الأولى جاءت بمعنى نبوءة تجاه ايدوم ( A prophecy Against Edom ) والفقرة الثانية جاءت هكذا ( A prophecy Against Arabia ) بمعنى نبوءة تجاه الجزيرة العربية .
وإلى القارىء الكريم نصّ الفقرة كما ورد فى الترجمات العربية المتداولة بأيدى الناس حاليا وذلك فى الصفحات التالية :
|
نسخة فانديك المعتمدة ( 1977 )
|
نسخة كتاب الحياة ( 1988 )
|
|
11.. وحى من جهة دومة : صرخ إلى صارخ من سعير : يا حارس ما من الليل يا حارس ما من الليل ؟
12.. قال الحارس : أتى صباح وأيضا ليل . إن كنتم تطلبون فاطلبوا ، ارجعوا تعالوا .
13.. وحى من جهة بلاد العرب :
فى الوعر فى بلاد العرب تبيتين يا قوافل الدادانيين .
14.. هاتوا ماء لملاقاة العطشان يا سكان تيمان . وافوا الهارب بخبزه .
15.. فإنهم من أمام السيوف قد هربوا . من أمام السيف المسلول ومن أمام القوس المشدودة ومن أمام شدة الحرب .
16.. فإنه هكذا قال لى السيد : فى مدة سنة كسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار .
17.. وبقية عدد قسى أبطال بنى قيدار تقل لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم .
|
11 .. نبوءة بشأن أدوم : هتف صارخ من سعير : يا رقيب ماذا بقى من الليل ؟ أما آن له أن ينتهى ؟
12.. فأجاب الرقيب : أشرق الصبح ولكن الليل أقبل معه ، فإن رغبتم فى السؤال فاسألوا ثم تعالوا وارجعوا إلى الله .
13.. نبوءة بشأن شبه الجزيرة العربية :
ستبيتين فى صحارى بلاد العرب يا قوافل الدادانيين .
14 .. فاحملوا يا أهل تيمان الماء للعطشان . واستقبلوا الهاربين بالخبز .
15.. لأنهم قد فروا من السيف المسلول والقوس المتوتر ، ومن وطيس المعركة .
16.. لأنه هذا ما قاله لى الرب : فى غضون سنة مماثلة لسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار .
17.. وتكون بقية الرماة ، الأبطال من أبناء قيدار قلة ، لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم .
|
|
نسخة الكاثوليك ( 1993 )
|
نسخة الآباء اليسوعيين ( 1991 )
|
|
11 .. وحى على دومة :
صوت صارخ من سعير : يا حارس ماذا بقى من الليل ؟ يا حارس ماذا بقى من الليل ؟
12 .. فيجيب الحارس : يجىء الصبح ، والليل يعود . إن أردتم اطلبوا ، وتعالوا ارجعوا واطلبوا .
13 .. وحى على العرب :
بيتوا فى صحراء العرب يا قوافل الدادانيين .
14 .. هاتوا ماءً للعطشان يا سكان تيمان استقبلوا الهارب الجائع بالخبز .
15.. هم هاربون من أمام السيوف ، من أمام السيف المسلول والقوس المشدودة وويلات الحرب
16.. وهذا ما قاله لى الرب : بعد سنة بلا زيادة ولا نقصان يفنى كل مجد قيدار .
17.. ولا يبقى من أصحاب القسى من جبابرة بنى قيدار غير القليل . أنا الرب إله بنى إسرائيل تكلمت .
|
11 .. قول على دومة :
يُصْرخ إلىَّ من سعير : يا حارس ما الوقت من الليل ؟ يا حارس ما الوقت من الليل ؟
12.. فقال الحارس : الصباح آت والليل أيضا إن سألتم فاسألوا ، ارجعوا تعالوا .
13 .. قول على العَرَبة :
فى الغابة فى العربة تبيتون يا قوافل الدادانيين
14 .. هاتوا الماء للقاء العطشان . يا سكان أرض تيمان استقبلوا الهارب بالخبز .
15.. فإنهم قد هربوا من أمام السيوف .. من أمام السيف المسلول والقوس المشدود وشدة القتال .
16.. لأنه هكذا قال لى السيد : بعد سنة كسِنّى الأجير يفنى كل مجد قيدار .
17.. وباقى عدد أصحاب القسى من أبطال بنى قيدار يصبح شيئا قليلا ، لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم .
|
أولا : معانى بعض الكلمات واحداثياتها الجغرافية .
وردت فى النصّ السابق بعض الكلمات ذات الدلالات الجغرافية التى تشير صراحة بعد كشف دلالاتها إلى رسالة الاسلام ونبىّ الاسلام صلى الله عليه وسلم مثل :ـ
.. دومة ( דןחןה ) وهى بمعنى هدوء كما يزعمون ، وقد وردت فى الأسفار اليهودية كاسم علم لأحد أبناء نبىّ الله إسماعيل عليه السلام ( تك 25 : 14 ـ 16 ) . وأيضا وردت اشارة إلى أحد القبائل الاثنى عشر الإسماعيلية المتواجدة فى جزيرة العرب . كما وردت الكلمة كاسم مكان فى الجزيرة العربية ، يزعم بعضهم أنه مكان غير معلوم ويقول البعض الآخر من علماء الكتاب المسيحى أنها واحة دومة الجندل الواقعة فى المنطقة الشمالية بمنطقة الجوف الحالية . وهى الواردة فى كتب السيرة النبوية على الطريق بين المدينة والشام .
وواحة دومة تقع خارج حدود أرض أدوم أو إيدوم كما هو مُبين فى الخرائط الجغرافية للكتاب المقدس ، ولكنهم يحبون أن تكون احداثياتها قريبة من فلسطين فزعموا أنها بمنطقة أدوم خارج الجزيرة العربية ونطقت بذلك الزعم ترجماتهم لنصّ أشعياء كما هو ظاهر للعيان مع أنَّ الأصل العبرى مكتوب فيه دومة وليس أدوم ..!!
.. قيدار ( קדך ) ومعناها الداكن اللون أو أسمر البشرة .
وقيدار اسم علم لأحد أبناء نبىّ الله إسماعيل عليه السلام المذكورين فى نصّ التكوين ( 25 : 13 ـ 14 ) وهم : " نبايوت بكر إسماعيل ، وقيدار ، وأدبئيل ، ومِبْسام ومِشماع . ودومة ، ومِسَّا ، وحداد ، وتيما ، ويطور ، ونافيش ، وقِدْمِة " . وكل منهم زعيم لقبيلة من قبائل العرب القاطنة فى المنطقة الواقعة بين حويلة وشور فى اتجاه آشور كما سبق بيانه .
وتطلق أيضا كلمة قيدار على العرب القاطنين بمنطقة فاران بَكَّة . وتشير إليهم الموسوعات الكتابية بأنهم عرب الشمال تمييزا لهم عن عرب الجنوب اليمنىّ فيقال عنهم القيداريون . ومنهم جاءت قبيلة قريش الشهيرة .
وهناك اعتراف صريح فى الموسوعات الكتابية المسيحية بدين العرب القدماء الذى ورثوه عن آبائهم إبراهيم وإسماعيل وقيدار ، وهذا الدين يُطلق عليه الباحثون المسيحيون الغربيون اسم ( Pre-Islamic ) أى الإسلام الأوّلى والذى يُسميه القرآن بدين الإسلام بدون أول أو آخر ..!!
وهم يعترفون بأنَّ هذا الدين الإسلامى الأولى كان له وجود بين عرب الشمال القيداريون فى الفترة الواقعة بين سنة 1200 ق م وإلى توقيت ظهور رسالة الإسلام من مكة المكرمة .
وقد وردت اشارات تاريخية عن بنى قيدار ـ القيداريون ـ فى التراث الأشورى المكتشف حديثا ، تثبت أنه كان للقيداريين قوة ورهبة يعمل لها المناوئون على تفاديها ( وثائق أشور بانيبال 632 ـ 668 ق م ) . وهناك أيضا بعض الوثائق المصرية المكتوبة بالآرامية فى القرن الخامس قبل الميلاد تشير إلى الملك العربى جشيم ( Geshem ) والذى تقول عنه موسوعة زندرفان الكتابية (2) أنه هو المذكور فى سفر نحميا ( 2 : 19 ؛ 6 : 1 ـ 6 ) وهو ملك بنى قيدار . قلت جمال : وجشيم هذا يرد اسمه فى الترجمات العربية تحت مسمى جاشم والأصح أن يكون جاسم أو قاسم .
.. سعير ( שעיך ) .
ويطلقون عليها مرتفعات الأدوميين والصحيح مرتفعات الدوميين ، نسبة إلى دومة ابن إسماعيل ، ومعلوم أنَّ دومة ونسله من بعده سكنوا المناطق الغربية المطلة على البحر الأحمر ، وهى التى تعرف بين عرب الجزيرة باسم مرتفعات عسير وليس سعير ، أى بتقديم العين على السين ..!! ويضعها الباحثون المسيحيون كعادتهم فى المنطقة الواقعة جنوبى البحر الميت وإلى رأس خليج العقبة على جانبى وادى عربة ( عرفة كما سبق بيانه ) . مع أنَّ النصوص وسير مجريات الأمور والحوادث التوراتية تشير إلى مكان آخر بأرض الجنوب ..!!
ومما يلفت النظر أنَّ معظم المسميات الجغرافية العربية يضعها المسيحيون الغربيون فى تلك المنطقة الصغيرة الواقعة شرقى مصر وجنوب الأردن ، كأنَّ حدود بلاد العرب الشمالية هى بداية ونهاية شبه الجزيرة العربية كلها ..!! وهذا الأمر يفهم منه أنَّ كتبة الأسفار اليهودية والمسيحية لم يكونوا يعلمون شيئا عن جغرافية بلاد العرب اللهم سوى بعض المسميات هذا إذا أحسنا الظن بهم .
والمتأمل فى كلمة سعير بعد إعمال نظريات القلب اللغوية والتى يستخدمونها كثيرا هذه الأيام ، سوف يجد أنَّ هذه الكلمة تعادل تماما كلمة عسير بعد تغيير مكان حرف واحد فقط فى الكلمة
ع س ى ر

س ع ى ر
ولا تزال مرتفعات عسير موجودة إلى زماننا هذا فى مكانها بإقليم الحجاز قريبة من الساحل الشرقى للبحر الأحمر ، خلاف مرتفعات سعير التى لا وجود لها فى الخرائط الجغرافية العربية سواء القديمة أو الحديثة .
وفى تلك المنطقة ـ عسير ـ دارت المعركة بين العماليق ـ جرهم أو عبد ضخم أو المصريين القدماء ـ وبين بنى إسرائيل ( أخبار الأول 4 : 42 ) . والعجيب فى الأمر أنَّ جغرافية مكان تلك المعركة تنطبق تماما على منطقة عسير بجزيرة العرب ولا تتطابق مع جغرافية سعير المزعومة كما سبق بيان ذلك ..!!
.. تيماء ( תיחא ) .
اسم أحد أبناء إسماعيل الاثنى عشر ، وهو أيضا اسم للمنطقة الشمالية الغربية لجزيرة العرب حيث استوطن فيها نسل تيما ابن إسماعيل عليه السلام . وهذا المكان هو نفسه المكان المسمى بأرض تيماء أو صحراء تيماء الواقعة فى النصف الشمالى الغربى للجزيرة العربية (Teima ) ، ومن المعلوم بداهة عند الجغرافيين أنَّ المدينة المنورة تقع فى أرض تيماء .
وقد جاء ذكر تيماء فى الوثائق الأكادية والبابلية ، وقد وصفتها الوثائق البابلية القديمة بأنها أرض النخيل ( Grant of specified palm land ) . ونجد مثل ذلك الوصف فى قصة إسلام الصحابى الجليل سلمان الفارسى على لسان راهب نصرانى حين أشار لسلمان عن مكان مبعث النبىّ المترقب ظهوره فقال له : " أرض بين حرتين ذات نخل ... " . فجاء سلمان إلى موطن بعثة النبىّ المترقب ظهوره بيثرب . كما أنه من المعروف فى المراجع العربية القديمة أنَّ تيماء هى وادى القرى من أعمال المدينة المنورة .
.. الديدانيون ( דדניח ) .

وهى صيغة جمع لكلمة ديدان ( דדנ ) وتنطق فى العبرية ديدانيم . والديدانيون هم سكان منطقة ديدان ، وهم العرب القدماء المنحدرين من نسل نبىّ الله نوح عليه السلام كما ورد فى سفر التكوين ( 10 : 6 ـ 7 ) ، وأنهم ينتمون أيضا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم من خلال زوجته قطورا ( تك 25 : 3 ) . وقد ورد ذكر هؤلاء العرب الديدانيون فى الوثائق الكلدانية والأشورية .
وتقع منطقة ديدان العربية طبقا للخرائط المسيحية الواردة فى الأطالس الكتابية فى جوار منطقة المدينة المنورة ..!! وإن ذهب البعض إلى تحريك مكانها إلى الشمال كما يفعلون دائما وقالوا بأن ديدان أو دادان هى مدينة العلا فى السعودية حاليا .
( انظر الخريطة التالية ) :
ثانيا : شرح موجز للنبوءتين .
إنَّ المسميات الجغرافية السابق ذكرها فى نصّ النبوءتين ، والخريطة السابقة يضعان الشرح والتفسير فى إطار جغرافية الجزيرة العربية وفى اقليم الحجاز تحديدا رغم أنف الشرَّاح . ولن يكون الشرح صحيحا أو مقبولا عند الباحثين بدون التطبيق الفعلى لاحداثيات الواقع الجغرافى .
وحيث أنه لم يثبت فى الأسفار اليهودية والمسيحية شيئا يذكر عن حدوث ظاهرة الوحى الإلهى داخل جزيرة العرب منذ عصر أشعياء وإلى زمن بعثة المسيح عليه السلام فإنَّ توقيت حدوث هاتين النبوءتين سيقع حتما بعد عصر المسيح عليه السلام . وقطعا هناك فرق بين الزمن الذى قيلت فيه هاتين النبوءتين وبين زمن تحقق النبوءتين .
وأستعين بالحىّ الذى لايموت وأقول :
يسمع أشعياء النبىّ صوت صارخ فى البرية من جهة سعير ـ عسير ـ يقول يا حارس .. يا رقيب .. أمَا آن لليل الكفر هذا أن ينجلى ..!؟ فيرد عليه الحارس الرقيب : لقد أشرق صباح الإيمان ولكن ليل الكفر سرعان ما جاء معه . فيا أيها السائلين المترقبين إن أردتم الإيمان فاطلبوه حيث تجدوه فأسألوا وتعالوا وارجعوا إلى الله .
ومن المعلوم جيدا أنَّ دومة الجندل تعتبر من المناطق التى انتشرت فيها النصرانية قبل ظهور الاسلام ، وحوادث غزوها من قبل جند الاسلام مُسَجَّلة فى السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .
ففى قول النبوءة " يأتى صباح ومعه ليل " اشارة إلى رسالة المسيح عليه السلام والتى أطفأ نورها سريعا بولس الطرسوسى وتابعيه من اليونان والرومان . فلم تستمر الديانة النصرانية الحقة فى تلك المناطق العربية مثل دومة الجندل لمدة كبيرة ، إذ سرعان ما جاء الليل مع الصباح . ودليلنا على ذلك هو قول المسيح عليه السلام " النور باق معكم وقتا قصيرا " ( يوحنا 12 : 35 ) يقصد عليه السلام نور بعثتة وإنجيله . والواقع التاريخى يشهد على صحة وقوع تلك النبوءة وما جاء فى آخرها من أقوال تشابه أقوال المسيح عليه السلام مثل : " إن سألتم فاسألوا ثم تعالوا وارجعوا إلى الله " . والرجوع والعودة إلى الله لا يكون إلا بعد ابتعاد عنه بكفر أو معصية .
وورود كلمة سعير ـ عسير ـ هنا فيها اشارة إلى موطن النور الخاتم والرسالة التالية لرسالة المسيح عليه السلام . وتحققت النبوءة حين ظهر الإسلام من منطقة الحجاز الواقع فيها مرتفعات عسير وأسلم نصارى دومة الجندل وأسلم ملكها . ولا علاقة بظهور المسيحية من تلك المناطق العربية حتى نصرف شرح النبوءة إلى رسالة المسيح عليه السلام .
أمَّا عن النبوءة الثانية ففيها ايضاحا أكثر للاحداثيات الجغرافية والمكانية . ففى ترجمة فانديك المعتمدة لدى الكنائس العربية ( ط 1977 ) جاءت الفقرة هكذا : " وحى من جهة بلاد العرب " وهو معنى صريح وواضح لا يحتاج إلى تفسير . وإن حاول المترجمون العرب لنسخة الآباء اليسوعيين طمس معالم هذه الفقرة بقولهم : " قول على العربة " ..!!
فأية عربة وأية سيارة التى يأتى القول عليها ..!؟ هل يقصدون أرض وادى عربة شرقى سيناء مصر أم ماذا ..!؟ مع أنَّ الترجمات الإنجليزية تقول ( Arabia ) أى أرض جزيرة العرب . وأيضا فى قولهم " فى الغابة " بدلا من " صحراء العرب " فأية غابة يقصدون فى صحراء جزيرة العرب ..!؟
ومن المعلوم أنَّ بلاد العرب لا يوجد فيها غابات حتى تترجم الفقرة هكذا ولكن الحق يظهر خافتا أحيانا من بين ثنايا الحروف والكلمات ، فأرض المدينة المنورة يكثر فيها النخيل ، بل فيها منطقة تُسَمَّى بـ " الغابة " . سُمِّيت بها احدى غزوات النبىّ صلى الله عليه وسلم . حيث جاء فى كتب السيرة اسم " غزوة الغابة " وهى التى أطلق فيها النبىّ صلى الله عليه وسلم لقب خيلالله على جنود الاسلام حين نادى عليهم بقوله صلى الله عليه وسلم : " يا خيل الله اركبى " .
أمَّا عن الديدانيون فهم العرب المنحدرون من نسل نوح عليه السلام . يقول علماء الكتاب المقدس أنهم يقطنون فى المناطق الشمالية الغربية لجزيرة العرب ومنها منطقة تيماء الحجاز الواقعة بين المدينة المنورة وخيبر . فبيات قوافل الديدانيون فى صحراء العرب ـ تيماء ـ فيها اشارة إلى مكثهم فى ظلام الكفر وليله إلى أن يأتى إليهم النور المبين وفجر الإيمان .
أمَّا عن الجُمَل التالية ففيها حذف كثير ، ولكن ما بقى منها يظهر الحق الدفين فمن هو ذلك الشخص الذى سيستقبله سكان تيماء والذى أطلق عليه المترجمون لقب الهارب والعطشان ..!؟
الإجابة غير واضحة والصمت مطبق حول تلك الشخصية فى شروحهم للكتاب . والكلمة العبرية التى ترجموها إلى الهارب هى ( נדד ) والتى تنطق نادَد من الجذر اللغوى ( ندد ) وهذا الجذر يوجد بمعناه فى العبرية والعربية . ومعلوم أنَّ تكرار الحرف هو بمثابة تشديده ، فالكلمة ندَّ هى فى الأصل ندد . فـ نَدَّ بفتح النون فيه معنى التحرك والانتقال ومنه يوم التناد وقولهم ذهبوا أناديد أى تفرقوا بعيدا . و نِدَّ بكسر النون فيه معنى النظير والمثيل ومنه قوله تعالى " فلا تجعلوا لله أندادا " .
والكلمة المبحوث عنها هنا فى الأصل العبرى مكتوبة بفتح النون فتحة طويلة تستدعى ظهور حرف الألف بعد النون ، ثم فتح الدال الأولى فتحة عادية ثم الدال الثانية مهملة التشكيل هكذا نادَد (3) ، فهى على وزن فاعَل وليست على وزن اسم الفاعل فاعِل . وهذا الوزن فاعَل فيه معنى المفاعلة . فكلمة نادَد فيها معنى الانتقال من مكان إلى آخر مثل كلمة هاجَر التى فيها معنى المهاجرة وليست مثل هارب أو لاجىء بكسر الحرف قبل الأخير . فقولهم فى الترجمات العربية هارِب ولاجىِء تعتبر ترجمات خاطئة لم يراعى فيها الوزن اللغوى للكلمة أو المعنى المقصود . والأغرب فى أمر ترجمة كتاب الحياة المصرية والتى هى بمثابة ترجمة تفسيرية للنصوص ، أن تأتى فيها الكلمة بصيغة جمع فقالت " الهاربين " حتى تشتت فكر القارىء ..!!
ثم ينقطع الحديث عن ذلك المُهَاجر الذى سيستقبله أهل تيمان ويتحول النَصّ إلى الكلام عن مهاجرين بصيغة الجمع من الجذر نَدَد ( נדד ) أيضا . وليس عن هاربين أو فارّين كما جاء فى الترجمات العربية أو الأجنبية . مهاجرون قد تركوا مكان سكناهم تحت وطأة السيوف المسلولة والأقواس
المشدودة . ثم ينقطع الحديث عن هؤلاء المهاجرين كما انقطع سابقا عن المهاجر ويتحول الكلام إلى نبوءة زمانية مقدارها " سنة كسنة الأجير " تقاس من بعد حدث الهجرة إلى أهل تيماء ، حيث تدور بعدها معركة يفنى فيها مجد بنوقيدار ..!!
وقد سبق الكلام عن قيدار وبنوقيدار ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليها الصلاة والسلام . وتم بعون الله معرفة مكان سكناهم ببكة المكرمة . إنها معركة تدور بين المهاجرين الذين هاجروا إلى أهل تيماء وبين جبابرة بنوقيدار أهل مكة .
إنها الحقيقة التاريخية الواضحة الجلية التى تحققت احداثياتها الزمانية والمكانية فى غزوة بدر الكبرى بين المهاجرين وجبابرة قريش وفقدت فيها قريش مجدها الحربىّ وقتل فيها أبطالها . وقطعا هذه النبوءة كانت على بلاد العرب كما هو مُسَجل فى نصِّهَا ويمكن لأى إنسان عادى أن يتتبع أسماء الأماكن وأسماء الأشخاص وبالرجوع قليلا إلى القواميس الكتابية لمعرفة أصول الكلمات يمكنه أن يعرف الحق .
ولا دخل للديانة اليهودية أو المسيحية بهاتين النبوءتين ، فمكانهما وزمانهما يحددان الحق الأبلج . ثم تختم النبوءة الأشعيائية بالخاتم الإلهى حتى لا يشك فى تلك الأقوال شاك : " أنا الرب إله بنى إسرائيل تكلمت " .
ثانيا : مع فقرة سفر أشعياء ( 42 : 11 ـ 13 )
يبدأ ذلك الاصحاح ببداية تنقلنا إلى قول الصحابى الجليل وحبر الكتاب المقدس عبد الله بن سلام فى الاشارة إلى النبىّ العربىّ صلى الله عليه وسلم كما وصفته التوراة : " هو ذا عبدى الذى أعضده ، مختارى الذى ابتهجت به نفسى ، وضعت روحى عليه ليسوس الأمم بالعدل . لا يصيح ولا يصرخ ولا يرفع صوته فى الطريق لا يكسر قصبة مرضوضة ، وفتيلة مدخنة لا يطفىء . إنما بأمانة يجرى عدلا . لا يكل ولا تثبَّط له همَّة حتى يرسخ العدل فى الأرض ، وتنتظر الجزائر شريعته . هذا ما يقوله الله ، الرب خالق السماوات وباسطها ، وناشر الأرض وما يستخرج منها " . ( أشعياء مبتدأ الاصحاح رقم 42 نسخة كتاب الحياة ) .
إنها بعض صفات ذلك المُهَاجر الذى ذكر فى الاصحاح رقم 21 فقرة 14 السابق ذكره . إنه عبد الله صاحب الشريعة التى تنتظرها الأمم ، الشريعة التى ستنشر العدل بين الأمم . وإنى لأترك للقارىء الذكى المؤمن التقى المحب للعدل والحق أن يراجع نفسه طويلا قبل أن يتسرع ويسمى صاحب تلك الشخصية .
إنها شخصية إنسان عَبْدٌ ( עבד ) لله تعالى وليس بفتاه ، والكلمة العبرية هنا تكتب فى الأصول العبرية ( عِبد עבד ) بكسر العين والباء ، ولكن فى أصل أشتقاقها اللغوى نجدها مأخوذة من الكلمة عَابَد بفتح العين فتحة طويلة تستوجب ظهور الألف بعدها ثم فتح الباء فتحة عادية (4) . فأصل الكلمة ومعناها وطريقة نطقها ثابت فى كل مجموعة لغات اللسان العربى القديم التى يطلقون عليها اسم مجموعة اللغات السامية . مثل الكلدانية والآرامية والعربية والعبرية . لأنها كلمة تحوى العلاقة بين الخالق والمخلوق .
والأمر هنا يحتاج لبعض الإيضاح اللغوى للتفرقة بين كلمتى عبد و فتى فى اللسان العربى . فكلمة عبد لها احتمالان فى المعنى الاشتقاقى :
فإن كان المعنى المراد منها وصف العلاقة بين الانسان وإلهه فهو عبد بمعنى عَابِد وهم عِبَاد . وتلك الصفة لا تأتى إلا وصفا للإنسان المطيع لربه حبا واختيارا .. فأولئك هم عباد الله المقربين . وتأتى أيضا وصفا للإنسان عامة
الخاضع لله وحسابه سواء كان باختيار أو بعدم اختيار ، فهو عبد لله رغم أنفه وهم عبيد لله تعالى . وهؤلاء الناس طبقة أدنى كثيرا من طبقة عِبَاد الله .
وإن كان المعنى المراد غير متعلق بالله تعالى ، فتطلق كلمة عبد على كل إنسان غير حُرّ أى الذى يُباع ويُشترى ، فهو لسيده الانسان عبد ويُعَبَّر عنه فى الإنجليزية بكلمة ( slave ) . ويُعَبَّر عنه فى مجموعة لغات اللسان العربى بكلمة فتى للمذكر وفتاة للأنثى ، وهذا المعنى يذكرنا بقول النبىّ العربىّ صلى الله عليه وسلم " لا تقولوا عبدى وأمتى ولكن قولوا فتاى وفتاتى " أو كما قال .
ومن عجائب المترجمين الأوربيين لنصوص أسفار الكتاب المقدس أنهم عندما أرادوا ترجمة كلمة عبد العبرية التى بمعنى عَابد ، وقفوا أمام اختيارين إمَّا أن يقولوا ( slave ) بمعنى العبد نقيض الحُرّ وإمَّا أن يقولوا ( son ) بمعنى فتى . واختاروا كلمة ( son ) بمعنى فتى ، ولكنها تفيد معنى العبودية للبشر دون العبودية لله تعالى التى لا يوجد معناها فى كلمة فتى ..!!
وهكذا تُرجمت الكلمة فى النسخ العربية إلى كلمتى فتى وفتاى ، وما أسهل أن يمضى الزمان ويفهم الأحفاد الذين لا يعلمون لغة الأصل أنَّ كلمة فتى تفيد معنى كلمة إبن . ومن هنا بدأت المشكلة ، وتم الابتعاد عن المعنى الأصلى وتم تحويل معنى النص الأشعيائى ( 42 ) إلى نبوءة بشأن الابن دون عبد الله .
وتتوالى النصوص التى تحدد الاحداثيات المكانية والزمانية ، لتعيين المكان الذى سيظهر منه ذلك الشخص المُسمى بـ عبد الله . والمفسرون المسيحيون لا يهمهم كثيرا النظر إلى الاحداثيات المكانية للنصوص . لأنَّ الفكرة مسيطرة عليهم تماما بأنَّ ذلك العبد هو الابن . فعَمُوا وصَمُّوا عن سماع الحق من فوق صفحات كتابهم .
وسوف أذكر بعون الله تعالى وعلمه بعضا من تلك النصوص التى تشير إلى مكان ظهور عبد الله من قلب أرض الجنوب فى جزيرة العرب ، وهذا الأمر لا يمكن أبدا أن يوصف به الابن الذى لم تطأ قدماه أرض جزيرة العرب حسب نصوص الكتاب .
|
نسخة فانديك المعتمدة ( 1977 )
|
نسخة كتاب الحياة ( 1988 )
|
|
11.. لترفع البرية ومدنها صوتها ، الديار التى سكنها قيدار . لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا .
12.. ليعطوا الرب مجدا ويخبروا بتسبحه فى الجزائر .
13.. الرب كالجبال يخرج . كرجل حروب ينهض غيرته . يهتف ويصرخ ويقوى على أعدائه .
|
11.. لتهتف الصحراء ومدنها ، وديار قيدار المأهولة ، ليتغن بفرح أهل سالع وليهتفوا من قمم الجبال .
12.. وليمجدوا الرب ويذيعوا حَمْدَه فى الجزائر .
13.. يبرز الرب كجبار ، يستثير حميته كما يستثيرها المحارب ، ويطلق صرخة حرب داوية يظهر جبروته أمام أعدائه .
|
|
نسخة الكاثوليك ( 1993 )
|
نسخة الآباء اليسوعيين ( 1991 )
|
|
11.. لترفع القفار والمدن صوتها ، والديار التى يسكنها بنوقيدار . ليرنم سكان مدينة سالع وليهتفوا من رؤوس الجبال .
12.. ليعطوا للرب مجدا ، ويهللوا له فى جزر البحر .
13.. الرب يبرز للقتال وكمحارب جبار يثور . يهتف ويصرخ عاليا ، ويظهر جبروته على أعدائه .
|
11.. لترفع البرية ومدنها صوتها ، والحظائر التى يسكنها قيدار ، وليهتف سكان الصخرة وليصيحوا من رؤوس الجبال .
12.. ليؤدوا المجد لله ، ويخبروا بحمده فى الجزر .
13.. الرب كجبار يبرز ، وكرجل قتال يثير غيرته ويصرخ صرخة إنذار ويزعق ويتجبر على أعدائه .
|
أولا : شرح جغرافى لغوى لكلمات النصّ.
.. ديار قيدار ( بنوقيدار ) : سبق الكلام عن مواطن سكنى بنو قيدار ذرية نبىّ الله إسماعيل عليه السلام . والكلام هنا يدور حول ديار بنوقيدار أى منطقة مكة المكرمة . والقريشيون من بنى قيدار بلا خلاف بين المؤرخين والنسَّابين العرب .
.. سِلَع ( סלע )و أهل سِلَع : وتكتب فى الأصل العبرى ( סלע ) مِن ثلاث حروف هى ( س ل ع ) . ويلاحظ جيدا أنَّ حرف السين مكسور حيث كُتِبَ تحته ثلاث نقاط تفيد الكسر فى العبرية ، وحرف اللام مفتوح ثم العين مهملة التشكيل فالنطق الصحيح للكلمة هى سِلَع وليس سالع بفتح السين فتحة طويلة كما جاء فى النسخ العربية . وهذا الجذر اللغوى غير معروف فى العبرية وإنما هو عربى مائة فى المائة تجده فى المعاجم العربية وفى كتب السيرة والحديث والشعر العربىّ (5) .
إنَّ الاسقاط الجغرافى والتاريخى لمدينة سِلَع يشيران إلى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، حيث نطقت باسمها أشعار العرب القدماء فى جاهليتهم وتناقلته عامتهم . ولا يزال هناك جبلان بها يحملان ذات الاسم القديم . فهناك جبل سِلَع الذى ورد اسمه فى قصيدة للشاعر الجاهلى الشنفرى ابن أخت تأبط شرا حين قال فى رثاء لخاله تأبط شرا :
إنَّ بالشعب الذى دون سِلَع .. لقتيلا دمــــه ما بطل
وهو من قصيدة من خمسة وعشرون بيتا مذكورة فى ديوان الحماسة .
وهناك أيضا جبل آخر صغير بالمدينة يسمى سُلَيْع تصغير على وزن جُبَيْل (6) . وقد ذكر وبيَّنَ المؤرخون العرب والنسَّابون أنَّ سِلَع من أسماء المدينة المنورة قديما .
وكان اليهود يعلمون جيدا مكان سِلَع وموطن ظهور عبد الله الذى سيسوس الأمم بالعدل وينشر شريعته بين الأمم ، المهاجر ( نادَد נדד ) إلى مدينة سِلَع ( סלע ) أرض النخيل والغابة . واستوطنت قبائل منهم قريبا من سِلَع مثل بنوقريظة وبنوقينقاع وبنوالنضير وغيرهم . وكانوا يستفتحون على الذين كفروا من أهل سِلَع بذلك النبىّ المنتظر ظهوره هناك ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به .
ثانيا : شرح موجز للنصّ.
لقد مَرّ علينا الكلام عن فاتحة ذلك الاصحاح الثانى والأربعين ، ووجدنا فيه الوصف الدقيق لرسول الله وعبده المختار من بين خلقه صلى الله عليه وسلم . وهنا يُكشف الستار عن مكان ظهور ذلك النبىّ العربىّ المختار صلى الله عليه وسلم من الديار التى يسكنها بنوقيدار أى مكة المكرمة ، وموطن هجرته إلى سِلَع أى المدينة المنورة . واستقبال أهلها له بالهتاف والأناشيد من فوق رؤوس الجبال .
إنه اسقاط للنبوءة الأشعيائية على أرض الواقع والتاريخ الصحيح دون تحريف أو تزييف . فلن تنتقل سِلَع من مكانها فى أرض الجنوب وتوضع فى جنوب الأردن كما فعلوا فى خرائطهم الكتابية ..!!
ولم يوجد على ظهر الأرض حاليا من يقول سبحان الله أو الحمد لله غير المسلمين . وهاتان العبارتان مطلوب نشرهما فى كل بلاد العالم ـ الجزائر ـ كما ورد فى النصّ . ولم يقم أحد بنشرهما إلا المسلمون .
فهل بعد ذلك البيان بيان ..!؟
لقد ذهب غالبية علماء المسيحية إلى أنَّ مدينة سِلَع هى عاصمة دولة العرب الأنباط فى جنوب الأردن قريبا من مدينة العقبة . وهذه المدينة يطلق عليها اليونان اسم بَطرا ( Petra ) بمعنى الصخرة مؤنث بُطرُس ..!!
ولذلك تجد اسم المدينة سِلَع قد كُتِب فى الترجمات الإنجليزية صخرة ( Rock ) وكما فعلت النسخة العربية للآباء اليسوعيين مع أنَّ الكلمة عربية وليست بعبرية أو يونانية ..!!
والحقيقة خلاف ذلك تماما ، حيث نطقت أحجار تلك المدينة التى كانت عاصمة لدولة العرب الأنباط باسمها العربىّ الحقيقىّ ، فعلى مسلتين من المسلات الحجرية فى مدخل تلك المدينة الغابرة نُقِش الاسم بالحرف النبطى . إنها مدينة الرقيم وليست مدينة سِلَع (7) . ونطقت بذلك الاسم السجلات اليهودية القديمة مثل كتابات المؤرخ اليهودى القديم يوسف ابن متى المتوفى فى بداية القرن الثانى الميلادى .
يقول المؤرخ العربى الأصل ، المسيحى الديانة فيليب حتى فى تأريخه لسوريا : " إن كلمة بتراء ( Petra ) هى اللفظ اليونانى لكلمة صخرة وفى العربية الفصحى الرقيم وهى ترجمة كلمة سِلَع ( Sela ) العبرية " (8) .
وقد مرّ علينا أنَّ كلمة سِلَع ليست بعبرية ولا يعرف لها استخدام فيها . والصحيح هو الذى قلته لك أيها القارىء بشهادة النقوش التى على الأحجار . فهناك مدينة سِلَع بأرض الجنوب العربى ، وهناك مدينة الرقيم فى جنوب الأردن . ونصوص سفر أشعياء لا تنطبق على مدينة الرقيم ولم يهاجر إليها أحد ولم تحدث حرب بين أهلها وبين جبابرة بنى قيدار بعد سنة واحدة كسنين الأجير من حادث الهجرة . ونستكمل شرح النصّ بعون من الله تعالى :
أمَّا عن الرب الذى يصرخ ويزعق ويقاتل بجسمه كالمحارب الجبار . فهو من هوس الترجمات الخاطئة . فكلمة الرب هنا نجدها فى الأصول العبرية كُتِبت من أربعة حروف صوامت أى لا تنطق فى كلمة واحدة وهى ( ى هـ و هـ יהןה ) . وهذه الحروف الأربعه يشير بها اليهود إلى اسم إلههم القومى ولا
ينطقونها أبدا ولا تجرى على ألسنتهم . ومن نطق بها من اليهود يعتبر مُجَدِّفا على الله وعقابه الموت . ولذلك فهم يقولون بدلا منها أدوناى أى سيدى (9) .
وحقيقة النصّ هنا تفيد بأنَّ هناك إنسان عظيم القدر عند الله ، إنسان مقاتل يحارب ويصرخ فى وجه أعدائه ليخيفهم وينتصر عليهم . إنها صفات إنسان وليست بصفات إله ، فما بالكم برب العالمين ..!!؟
إنها صفات النبىّ العربىّ صلى الله عليه وسلم صاحب الحروب والغزوات المقدسة لنشر شريعة الله بين الناس . النبىّ العربىّ الذى كان يقول فى وسط أتون المعارك وبصوت مرتفع " أنا النبىّ لا كذب . أنا ابن عبد المطلب " أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
وأيا كانت النتائج والقرارات المستنبطة من تلك النصوص ، فإنه تبقى أمام الباحثين حقيقة واضحة لا تُدحض أبدا ، ألا وهى أنَّ تلك المناطق الجغرافية المذكورة فى النصوص والمتواجدة فى أرض الجنوب العربىّ لم يخرج منها نبىّ صاحب رسالة من بعد موسى وعيسى عليهما السلام سوى نبىّ الاسلام صلى الله عليه وسلم . اللهم ألا إنِّى قد بذلت الوسع والجهد فى إبانة الحق وأوضحته للقرَّاء ، فمن اتبع الحق فقد فاز ومن عاند واستكبر فعليه عناده واستكباره.
هوامش
(1) .. راجع على سبيل المثال موسوعة باكار ( BAKAR ) الأمريكية الكتابية ج 1 ص 643 .
(2) .. Pictorial Encyclopedia of the Bible v3 page 779
(1) .. راجع الكلمة رقم ( 5074 ) وتشكيلها فى القاموس العبرى الكلدانى لأسفار العهد القديم :
Gesenius Hebrew-Chaldee lexicon to Old Testament
(3) .. راجع كلمة عِبِد تحت رقم ( 5650 ) وكلمة عَابَد تحت رقم ( 5647 ) من القاموس العبرى الكلدانى الكتابى
المتخصص : Gesenius Hebrew-Chaldee lexicon to Old Testament
(4) .. راجع كلمة عِبِد تحت رقم ( 5650 ) وكلمة عَابَد تحت رقم ( 5647 ) من القاموس العبرى الكلدانى الكتابى
المتخصص : Gesenius Hebrew-Chaldee lexicon to Old Testament
(5) .. راجع جميع كتب الحديث وخاصة الصحيحين البخارى ومسلم ، وسيرة ابن هشام ، وغريب الحديث ، وكتب
الشعر الجاهلى ، ومعاجم اللغة وخاصة لسان العرب لابن منظور وغيرهما لتقرأ جميع اشتقاقات الكلمة سلع
ومعانيها المختلفة .
(6) .. راجع تاج العروس بشرح القاموس للزبيدى ج 5 ص 383 .
(7) .. راجع كتابى أصحاب الكهف والرقيم لتتعرف على تفاصيل مدينة الرقيم وتاريخها العربى القديم .
(8).. تاريخ سوريا ج 1 ص 418 .
(9) .. راحع التفصيل والايضاح فى كتابى " معالم أساسية فى الديانة المسيحية " .