سأتناول بالحديث في هذا الفصل تناقضات هامة وطريفة يتضمنها الكتاب المقدس تبرز حينما يتم تناولها من منظور علم النقد التاريخي. وحيث إن العهد الجديد هو مادة تخصصي، سأتناول أنواع المشكلات التي نجدها بين جلدتيه.
لكن بمقدورك أيها القارئ أن تبيت واثقا أن نماذج كثيرة من الأخطاء نفسها بمقدورك أن تصادفها بين دفتي العهد القديم كذلك- بل أكثر منها في حقيقة الأمر. فبينما جرى تأليف العهد الجديد، الذي يتكون من سبعة وشعرين سفرا، على يد مؤلفين يبلغ عددهم ستة أو سبعة عشر مؤلفا خلال مدة تزيد عن سبعين عاما، نجد العهد القديم، الذي يشتمل على تسعة وثلاثين سفرا قد كتبه العشرات من المؤلفين فيما يزيد عن ستمائة عاما على أقل تقدير. فثمة متسع كبير للآراء المتباينة التي إن بحثت عنها، ستجدها بالجملة.
ليس ما أعنيه ببساطة، كما سأشرح ذلك شرحا وافيا في نهاية هذا الفصل، أن أثبت أن الكتاب المقدس متخم بالتناقضات. ينتاب تلامذتي في بعض الأحيان الشعور بأن هذا هو بيت القصيد والغاية النهائية من أبحاثي- أعني أن الكتاب المقدس ملئ بالمشكلات وأنه لهذا السبب «لا يمكن الإيمان به.» لكن هذا ليس صحيحا- رغم أن تناقضات الكتاب المقدس من شأنها أن تخلق بعض المشكلات لبعض الناس ممن يحملون في قلوبهم إيمانا ما تجاه العقيدة المسيحية(ليس لكل المسيحيين مع ذلك). لكن هناك أسباب أخرى لمحاولتنا استكشاف ما يحتويه الكتاب المقدس من تناقضات. لكني، مع ذلك، أفضل أن أبسط القول في هذه الأسباب في نهاية الفصل وليس في أوله؛ فلزاما على المرء أن يعرف أولا حقيقة ما بين يديه من معلومات وكنهها قبل أن يتعجل كثيرا في اتخاذ قرارا فصلا فيما يتعلق بما تعنيه هذه المعلومات.
ليس هدفنا مع ذلك أن نوضح كل تناقض يمكننا اكتشافه في العهد الجديد، بل البعض من أكثر هذه التناقضات طرفة وأهمية. سأبدأ بالأناجيل وسأثني بعدها برسائل بولس. على مدى هذا النقاش لن أتناول بالبحث واحدة من أهم القضايا وهي التي تتناول هوية مؤلفي هذه الأسفار في الحقيقة(هل كانوا من رسل المسيح؟ أم كانوا رفقاء للرسل؟ أم مسيحيون عاشوا في أزمنة متأخرة؟). فهذا هو موضوع فصل تال.
أما في هذا الفصل فيكفي أن نشير إلى أنه مهما تكن هوية من ألف هذه الأسفار، فإنهم في كثير من الأحيان وقفوا مواقف اختلف أحدهم مع الآخر.
لماذا لم يكتشف مطلقا القارئ غير المواظب على القراءة، بل وحتى ذلك القارئ النهم للكتاب المقدس هذه التناقضات التي ربما يبدو بعضها واضحا لا تخطئوه العين بمجرد أن تلفت الانتباه إليها؟ ما أعتقده هو أن لهذا علاقة بالطريقة التي يقرأ الناس بها هذه الأسفار. معظم الناس يقرأون هذا الموضع من الكتاب المقدس ثم ذاك الموضع- يفتحونه ثم يختارون فقرة ثم يقرأونها ويحاولون تصور معناها. وليس ثمة جهد ولو قليل لعقد مقارنة مفصلة بين الفقرات الأخرى المتشابهة في الأسفار الأخرى. أنت تقرأ نتفا هنا ونتفا هناك وكلهم يبدون مماثلين لأسلوب الكتاب المقدس. مع ذلك، فلكي تطبق المنهج النقدي التاريخي في دراسة النص عليك أن تقرأ النصوص وأن تقارن بينها مقارنة دقيقة فلا تغفل حتى أدق التفاصيل.
مع ذلك فحتى القارئ المتيقظ للكتاب المقدس غالبا ما يفشل في اكتشاف الاختلافات بين أسفاره، وذلك، وأكرر، ناتج عن الطريقة التي تتم بها القراءة. غالبية القراء من العوام، وذلك على خلاف القراءالذين يقرأون الكتاب المقدس قراءة نقدية من منظور نقدي تاريخي، يقرأون هذه الأسفار على التتالي، واحدًا وراء الآخر. وهذا أمر منطقي- فهذه في نهاية الأمر هي الطريقة نفسها التي نقرأ بها غالبية المختارات الأدبية. وبهذه الطريقة، إذا أردت أن تقرأ العهد الجديد، تبدأ من إنجيل متَّى مفتتحا قراءتك بالإصحاح الأول والعدد الأول، وتقرأ الكتاب من بدايته حتى نهايته وهدفك من هذا أنتستخلص المعنى الذي يحاول متى أن يخبرك إياه عن حياة المسيح. ثم تقرأ بعده إنجيل مرقس، مبتدئا بافتتاحيته حتى تصل إلى خاتمته- وتجد أنه يشبه كثيرا إنجيل متَّى. فثمة كثير من القصص ذاتها، وغالبا بالكلمات ذاتها- ربما يتم إهمال أشياء قليلة في هذا الموضع أو ذاك، لكنه النوع نفسه من الأسفار. ثم تقرأ لوقا من بدايته لنهايته. ومرة أخرى تجد القصص ذاتها أو قصصا شبيهة لها مكتوبة بالكلمات ذاتها. وعندما تقرأ يوحنا ربما تلحظ بعض الاختلافات، لكنهم يبدون متماثلين تماثلا جوهريا: فثمة قصص عن أشياء قالها يسوع أو فعلها قبل سفره إلى أورشليم، ثم تعرضه للخيانة والاعتقال ثم للصلب والقيامة من بين الأموات.
تلك هي الطريقة الأكثر شيوعا في قراءة أي كتاب، أعني أن تقرأه من بدايته إلى نهايته. القراءة «العمودية» هو ذلك الاسم الذي سميت به هذا النوع من القراءة. تبدأ من رأس الصفحة متحركا إلى ذيلها؛ وتبدأ من بداية الكتاب منتقلا إلى نهايته. ليس ثمة أي خطأٍ فيما يتعلق بقراءة الأناجيل على هذا النحو، فهذه بلا الشك الطريقة التي كان مؤلفو هذه الكتب يخططون لأن تقرأ كتاباتهم بها.
مع ذلك فثمة سبيل أخرى لقراءة هذه الكتب: أعني أن يقرأها قارئها قراءة أفقية. في القراءة الأفقية تطالع قصة في واحد من الأناجيل، وبعدها تقرأ القصة ذاتها بحسب ما يقصه عليك إنجيل آخر كما لو كانتامكتوبتين في عمودين يقف أحدهما بجانب الآخر. وتقارن بين هاتين القصتين مقارنة حذرة ومفصلة.[1]
تكشف قراءة الأناجيل قراءة أفقية الاختلافات والتناقضات من كل الأنواع.
أحيانا لا تعدو هذه الاختلافات أن تكون تنوع في قراءات قصة من القصص، وربما تكون لها أهمية إذا أردنا أن نعرف ما كان هذا الكتاب من كتاب الأناجيل أو ذاك يرغب أن يؤكد عليه، لكن هذا التنوع لا يضاد ما يريد الكاتب الآخر يؤكد عليه.
في روايات ميلاد المسيح الواردة في إنجيلي متَّى ولوقا، على سبيل المثال، تظهر القراءة الأفقية للإنجيلين أن متى يحكي قصة الرجال الحكماء حال مقدمهم للسجود أمام المسيح، بينما يحكي لوقا قصة الرعاة حين مقدمهم للسجود أمامه. ليس ثمة رعاة في متَّى ولا رجال حكماء في لوقا. ليس هذا تناقضا: يريد متَّى (لأسباب بالغة الأهمية كما سيبدو جليا) أن يحكي قصة الحكماء ولوقا يريد(لأسباب أخرى مختلفة) أن يحكي قصة الرعاة.
إذن لدينا في هذا الموضع اختلافات ربما لا تمثل تناقضا صريحا لكنها ربما تبدو إلى حد ما وكأنها تمثل اختلافا فيما بين القصتين.
لقد ذكرت من قبل بالفعل قصة تطهير الهيكل الواردة في إنجيل مرقس الإصحاح 11 ويوحنا الإصحاح 2. في مرقس تقع هذه الحادثة قبل أن يموت يسوع بأسبوع؛ لكنها في إنجيل يوحنا تمثل الحادثة العلنية الأولى في فترة رسالة يسوع الكهنوتية التي استمرت ثلاث سنوات. أقول جازما إن هذا الاختلاف لا يمثل تناقضا: فلو كان لديك قدر كاف من الإبداع، لاستطعت أن تجد تفسيرا مقبولا يجعل الروايتين صحيحتين. فكما ذكرت في الفصل السابق، ربما يكون المسيح قد طهر الهيكل مرتين، مرة في بداية خدمته وأخرى في نهايتها. من ناحية أخرى، لا يبدو هذا احتمالا مقبولا كما يشي السؤال التالي نفسه: لماذا لم يلق القبض عليه في المرة الأولى؟ بالإضافة إلى ذلك هذا الأمر يعني أنه لكي تحدث توافقا بين مرقس ويوحنا، فقد كان لزاما عليك أن تكتب نسختك الشخصية من الإنجيل، نسخة تختلف اختلافا جذريا عن الإنجيلين الذين تقرأهما، ففي إنجيلك هناكتطهيران للهيكل لا تطهيرا واحدا.
هناك اختلافات أخرى، في رأي عدد كبير من علماء النقد التاريخي، لا يمكن التوفيق بينها ببساطة من غير أن تستعمل العنف استعمالا فعليا مع النص. سأقوم بتناول بعضا من هذه الاختلافات على مدى هذا الفصل، ولا أريد أن أقطع متعتي بذكر أكثر النماذج طرافة وإمتاعا من بين هذه الاختلافات في هذا الفصل. أما الآن فالنقطة الأساسية التي أريد التشديد عليها هي أن غالبية القراء لا يلحظون هذه الاختلافات لأنهم دربوا على قراءة الإنجيل بطريقة واحدة وهي الطريقة العمودية، أو على الأقل يميلون إلى ذلك، بينما يقترح منهاج النقد التاريخي أنه من المفيد أن يقرأ النص بطريقة أخرى وهي طريقة القراءة الأفقية.
لو كنت أيها القارئ معني بالعثور على التناقضات بنفسك، فيمكنك، في الواقع، فعل هذا بسهولة تامة. اختر قصة من الأناجيل- ميلاد المسيح على سبيل المثال، أو شفاء ابنة يايرس، أو حادثة الصلب أو القيامة- ومهما يكن اختيارك من بين هذه القصص فستنطبق عليه القاعدة في الغالب. اقرأ الرواية في أحد الأناجيل، وأدرج في جدول قائمة بكل ما يحدث على التتالي؛ ثم اقرأ القصة ذاتها في إنجيل آخر، ومرة أخرى دون ملاحظاتك بعناية. قارن، كخطوة أخيرة، بين ملاحظاتك. في كثير من الأحيان تحصل اختلافات بسيطة، لكن في أوقات أخرى كثيرة يكون لها شأن كبير- حتى لو بدت للوهلة الأولى تافهة إلى حد ما. وهذا هو شأن مثالي الذي سأتكلم عنه أولا. القضية موضع دراستنا هي قضية بالغة البساطة وجوهرية إلى حد بعيد ويمكن التعبير عنها في صيغة سؤال مباشر فيما يبدو:
متى مات يسوع؟ أعني في أي يوم صلب يسوع، وفي وقت من هذا اليوم ؟
سيتضح لنا أن إجابة هذا السؤال تختلف باختلاف الإنجيل الذي تقرأه.
بيان استهلالي: موت يسوع في إنجيلي مرقس ويوحنا
هذا بيان للتناقضات بين دفتي العهد الجديد التي أستعملها مرارا وتكرارا مع تلامذتي.[2] إنه «حالة نموذجية» لأن مرقس ويوحنا كليهما قد قدما إشارات واضحة للوقت الذي مات فيه يسوع. وهويموت في وقتين مختلفين بحسب الإنجيل الذي تقرأ فيه.
من الراجح أن مرقس كان أول الأناجيل تأليفا. وقد اعتقد العلماء لأزمنة مديدة أنه قد جرى تأليفه بعد وفاة يسوع بخمس وثلاثين أو أربعين سنة، أي ربما سنة 65 أو 70 ميلاديا.[3]
الإصحاحات العشرة الأولى من إنجيل مرقس: موضوعها خدمة يسوع التبشيرية في الجليل الواقعة في الطرف الشمالي لإسرائيل حيث كان يعلم ويشفي المرضى ويطرد الشياطين ويواجه خصومه اليهود والفريسيين. في نهاية حياته يقوم برحلة نحو أورشليم ليحضر احتفال اليهود بعيد الفصح؛ وبينما كان هناك يلقى القبض عليه ويتعرض للموت صلبا(الإصحاحات 11 – 16 ). لكي تفهموا قضية توقيت الصلب في إنجيل مرقس(وتوقيت يوحنا من وجهة النظر نفسها)، أحتاج إلى أن أتلو على مسامعكم بعض المعلومات العامة. في أيام يسوع، كان عيد الفصح، الذي يقام سنويا، أهم الأعياداليهودية. لقد أسس هذا العيد احتفالا بذكرى وقائع الخروج والتي جرت في زمن موسى قبل ذلك بقرون وذكرت تفاصيلها في سفر الخروج في العهد القديم( خروج 5 – 15). وفقا لرواية الخروج، كان أبناء الشعب الإسرائيلي مستعبدين في مصر لمدة أربعمائة سنة، لكن الرب سمع لبكائهم وربى على عينيه مخلصا لينقذهم وكان موسى هو ذاك المخلص. أرسل موسى إلى فرعون وطالبه، متحدثا نيابة عن الرب، أن «أطلق شعبي.» لكن قلب فرعون كان أقسى من الحجر فرفض الخضوع لأمر الله. ولكي يخضعه الله، زود الله موسى بقوة يستطيع من خلالها أن يرسل على المصريين الأوبئة المرعبة،وكان آخرها هو أكثرها رعبا: أن كل مولود بكر من أبناء المصريين أو من الحيوانات يكون عرضة للهلاك بيد ملك الموت.
وقد أعطي الإسرائيليون إرشادات لكي يجنبوا أبناءهم المصير ذاته. فكل عائلة كان عليها أن تقدم أضحية على هيئة خروف وأن تأخذ بعضا من دمه وأن تنثرها على عضادة الباب وعتبة البيت الذي يعيشون بين جنباته. بعد ذلك سوف يرى الملاك الدم على الباب ويتجاوز (وهو معنى الفعل pass over الذي سمي به العيد) هذا البيت الإسرائيلي لينتقل إلى البيوت التي ليس عليها دم لكي يقتل كل طفل بكر. وهذا ما حدث. أصيب فرعون بالرعب وسمح على مضض للإسرائيليين( ستمائة ألف رجل مضافا إليهم النساء والأطفال) بأن يغادروا البلاد. لكنه بعد انطلاقهم تغير قلبه عليهم فقاد جيشه في إثرهم. تعقب فرعون الإسرائيليين حتى البحر الأحمر –يسمى بالعبري«بحر الرياح العاصفة»- لكن الرب صنع معجزة أخرى فأعطى موسى القدرة على قطع مياه البحر حتى استطاع الإسرائيليون المرور على الأرض اليابسة. وعندما تبعتهم الجيوش المصرية التي تتعقبهم، أمر الرب المياه أن تعود لسابق عهدها وأغرق الشطر الأكبر منهم. وهكذا أنقذ الرب الإسرائيليين من العبودية في مصر. وقد أخبر الله موسى أنه على الإسرائيليين من هذه اللحظة فصاعدا أن يحتفلوا بذكرى هذه الواقعة العظيمة بتناولهم وجبة خاصة أثناء عيد الفصح الذي يحتفلون به سنويا(خروج إصحاح 12 ). في زمان المسيح كان اليهود من مختلف أرجاء المعمورة يأتون إلى أورشليم بغرض الاحتفال بهذا الحدث. في اليوم السابق ليوم تناول الطعام المخصص للاحتفال، كان على اليهود أن يجلبوا خروف الفصح إلى الهيكل في أورشليم، أو أن يشتروا بالأحرى واحدا من هناك، وأن يذبحه الكهنة نيابة عنهم. وعندها كانوا ليأخذوه إلى بيوتهم لكي يعدوا وجبة الطعام. كل هذا وقع في يوم الاستعداد ليوم الفصح.
الآن الوجه المربك الوحيد لهذا الاحتفال يتعلق بالطريقة التي كان اليهود يعبرون بها عن مواقيتهم- وهي الطريقة ذاتها التي يعبر بها اليهود المعاصرون عن التوقيت. فحتى اليوم يوم السبت هو نفسه يوم «السبَّاث» لكنه يبدأ من يوم الجمعة ليلا، حينما يبدأ الكون في الإظلام. وهذا لأن اليوم الجديد في الديانة اليهودية التقليدية يبدأ عند غروب الشمس، أي عند المساء( ولهذا السبب قيل لنا في سفر التكوين حينما خلق الله السماوات والأرض:« وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ ، اليوم الأول » فاليوم كان يتكون من مساء وصباح وليس من صباح ومساء.) وهكذا يبدأ السبت يوم الجمعة مساءً- وكل الأيام في حقيقة الأمر يبدأ على هذا النحو، أي من لحظة الغروب.
وهكذا، في يوم الاستعداد ذبح الخروف وأعدت الوجبة في وقت العصر. وأكلت الوجبة في هذه الليلة والتي هي في حقيقة الأمر بداية اليوم التالي: أعني يوم الفصح. كانت الوجبة تتكون من عدد من الأكلات التي تمثل شكلا من الرموز : فهناك الخروف وهو يرمز إلى الاحتفال بذكرى الذبح الأول للخراف أثناء الخروج؛ وهناك الأعشاب المرة التي تذكر اليهود بمرارة العبودية التي قاسوها في مصر؛ وأما خبز الفطير( وهو خبز يصنع بدون أن يختمر العجين)فيذكرهم بأنه كان لزاما على اليهود أن يهربوا من مصر بدون سابق إنذار حتى إنهم لم يستطيعوا أن ينتظروا أن يختمر الخبز؛ وهناك أخيرا كؤوس متعددة من النبيذ. يوم الفصح إذن كان يبدأ بوجبة المساء ويستمر لما يقارب الأربع والعشرين ساعة خلال نهار اليوم التالي وعصره والذي يأتي بعده اليوم التالي ليوم الفصح.
الآن يمكننا الرجوع إلى رواية مرقس عن موت المسيح. لقد حج يسوع وتلاميذه إلى أورشليم للاحتفال بيوم الفصح. في العدد 14 : 12 من إنجيل مرقس، يسأل التلاميذ يسوع عن المكان الذي يفترض بهم أن يعدوا وجبة الفصح لهذا المساء. أي أن هذا، إذا أردنا صياغتها بطريقة أخرى، كان في يوم الاستعداد للفصح. فيعطيهم يسوع توجيهاته. يقومون بانهاء الاستعدادات وحينما يحل المساء- أي بداية يوم الفصح- يتناولون وجبة الفصح. لا شك أنها وجبة مميزة. يتناول يسوع الأطعمة المشحونة بالمعاني الرمزية ويضفي عليها فوق رمزيتها المزيد من المعاني الرمزية الجديدة. يتناول خبز الفطير، يكسره، ويقول:«هذا جسدي.» ضمنيا هذا يعني أن جسده لابد أن يكسر من أجل الخلاص. ثم بعد العشاء يتناول كأس النبيذ ويقول:« هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ.»(مرقس 14 : 22 – 25)، قاصدا أن دمه لابد أن يراق.
وبعد أن يأكل التلاميذ طعام الفصح يخرجون إلى ضيعة جَثْسَيْمَانِي من أجل الصلاة. ويجلب يهوذا الإسخريوطي الجنود ويقترف صنيع خيانته. فيؤخذ يسوع ليقف أمام المحكمة قضاتها قادة الشعب اليهودي. يقضي الليلة في السجن وفي الصباح التالي يوقفوه ليحاكم أمام الوالي الروماني بيلاطس البنطي الذي يجده مذنبا ويحكم عليه بالموت صلبا. ثم يقال لنا إنه صلب في اليوم نفسه في الساعة التاسعة صباحا(مرقس 15 : 25). فموت يسوع إذن قد وقع في يوم الفصح، وتحديدا في أول صباح بعد تناوله طعام الفصح.
كل هذه الأمور واضحة وتحكى بطريقة مباشرة لا اعوجاج فيها في إنجيل مرقس، لكن رغم بعض أوجه الشبه الأساسية، فهي تقف على خلاف مع قصة موت المسيح التي يحكيها لنا إنجيل يوحنا والتي تتسم هي الأخرى بالوضوح والمباشَرة. فهنا يذهب كذلك إلى أورشليم في الأسبوع الأخير من حياته ليحتفل بيوم الفصح وهنا كذلك هناك عشاء أخير وخيانة ومحاكمة أمام بيلاطس وأخيرا هناك صلب.
لكن المثير للصدمة في رواية يوحنا أنه في بداية الرواية، وعلى خلاف في ذلك مع ما يقوله مرقس، لا يسأل التلاميذ يسوع عن مكان «إعداد الفصح.» وبناءً على ذلك لا يعطيهم يسوع أي توجيهات فيما يتعلق بإعداد طعام الفصح. صحيح أنهم يتناولون العشاء الأخير معا، لكن يسوع في إنجيل يوحنا لا يذكر أي شئ عن كون الخبز يرمز إلى جسده أو أن الكأس يمثل دمه. بدلا من ذلك يعسل يسوع أقدام تلاميذه وهي القصة التي لا نعثر لها على مثيل في أي إنجيل آخر(يوحنا 13 : 1 – 20 ).
بعد انتهائهم من تناول العشاء ينطلقون للخارج. ويخون يهوذا يسوع، ويظهر أمام السلطات اليهودية ويقضي الليلة في السجن ويوقفونه أمام محكمة قاضيها بيلاطس البنطي الذي يجده مذنبا ويحكم عليه بالموت صلبا. ويقال لنا تحديدا حينما يرفع بيلاطس صوته ناطقا بالحكم:« وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْحِ وَنَحْوُ الظهيرة. »(يو 19 : 14 ).
الظهيرة؟! في ويوم الاستعداد للفصح؟ أي في اليوم الذي ذبح فيه الخروف؟ كيف يصح هذا؟
في إنجيل مرقس اجتاز يسوع هذا اليوم وهو حي يرزق وأعد تلامذته طعام الفصح وتناوله معهم قبل أن يلقى القبض عليه، وقبل أن يؤخذ إلى السجن ليقبع فيه مدة ليلة وقبل أن يحاكم في الصباح التالي ويعدم في تمام التاسعة صباحا من يوم الفصح.
لكن هذا لا ينطبق على إنجيل يوحنا. ففي يوحنا يموت يسوع قبل يوم من كل هذه الأحداث، أي في يوم الاستعداد للفصح في وقت ما بعد الظهيرة.
لا أعتقد أن هذا الاضطراب هو من النوع الذي يمكن دفعه. لقد حاول الناس عبر سنوات بطبيعة الحال أن يفعلوا ذلك. فأشار بعضهم إلى أن مرقس أشار هو الآخر إلى أن يسوع مات في يوم سماه « يوم الاستعداد»(مرقس 15 : 42 ). وهذا الزعم صحيح تماما- لكن ما أخفق هؤلاء القراء في الانتباه إليه هو أن مرقس يخبرنا بما يقصده من هذه الجملة: إنه يوم الاستعداد للـ«سبت»( وليس الاستعداد للفصح). في مرقس بطريقة أخرى هذا الأمر لم يحدث في اليوم السابق ليوم تناول طعام الفصح بل في اليوم السابق ليوم السبت؛ ويطلق على هذا اليوم يوم«الاستعداد» لأن المرء كان عليه أن يعد الأطعمة ليوم السبت في يوم الجمعة بعد الظهر.
وهكذا يظل التناقض قائما: في مرقس يتناول يسوع طعام الفصح(الخميس ليلا) ويجري صلبه في الصباح التالي. أما في يوحنا فلا يتناول يسوع طعام الفصح بل يصلب في اليوم السابق ليوم تناول طعام الفصح.[4]
أضف إلى ذلك أن يسوع في إنجيل مرقس يتم تسميره إلى الصليب في التاسعة في الصباح؛ لكنه في يوحنا لا يتم الحكم بإدانته قبل الظهيرة، ويؤخذ حينها خارجا يوتم صلبه.
بعض العلماء جادل قائلا إن هذا الاختلاف بين الأناجيل حدث لأن هناك طوائف يهودية مختلفة من اليهود تحتفل بيوم الفصح في أيام مختلفة من أيام الأسبوع. هذا النوع من التفسيرات هو من ذلك النوع الذي يبدو مقبولا ظاهريا إلى أن تفتش وراءه وتتأمله قليلا. صحيح أن ثمة طوائف لم يكن لها علاقة بهيكل في أورشليم كانوا يعتقدون أن سلطات الهيكل تتبع تقويما جرى حسابه على نحو غير صحيح. لكن يسوع في إنجيلي مرقس ويوحنا لا يتم تصويره كعضو في طائفة يهودية خارج أورشليم: لقد كان في أورشليم حيث يذبح الخروف. وفي أورشليم كان ثمة يوم فصح واحد في العام. والكهنة في أورشليم لم يكونوا ليعدلوا تقويمهم وفقا لتقويمات شاذة لمجموعات هامشية ضيقة الأفق وقليلة العدد.
ماذا بمقدور المرء أن يصنع تجاه مثل هذا التناقض؟ مرة أخرى أقول إنها من ناحية قد تبدو كما لو كانت قضية ثانوية تافهة. أعني أنه من يهتم بالفعل إذا كان هذا الحدث قد وقع في أحد الأيام أو في اليوم الذي يليه؟ فالقضية الأكثر أهمية هي أن يسوع قد صلب، أليس كذلك؟
حسنا، هذا الأمر صحيح وغير صحيح في الآن ذاته.
سؤال آخر ينبغي أن يسأل لكنه ليس التالي:«هل صلب يسوع؟» بل كذلك:«ماذا يعني قولنا إن المسيح قد صلب؟»
وللإجابة على هذا السؤال، تفاصيل قليلة مثل قضية التوقيت ويوم وقوع الصلب لها أهمية كبيرة في واقع الأمر.
المثال التالي هو الذي أستعمله دائما لكي أوضح لطلابي أهمية تلك التفاصيل: عندما تقع جريمة قتل في عصرنا هذا، يصل أفراد المباحث إلى موقع الجريمة ويشرعون في البحث عن أجزاء الدليل بالغة الصغر، فيبحثون عن آثار أو بصمات الأصابع أو ضفائر شعر على أرضية الموقع.
ربما ينظر أحد الناس مصطنعا العقلانية إلى ما يقومون به ويبدأ في القول:« ماذا دهاكم؟ أتعجزون عن رؤية الجثة راقدة على أرضية المكان؟ لماذا تفتشون المكان بحثا عن البصمات؟» وذلك رغم أن أبسط الأدلة بمقدورها في كثير من الأحيان أن تكون السبيل إلى حل القضية: لماذا قتل هذا الشخص ومن قتله؟ والأمر نفسه يصدق على الأناجيل. في كثير من الأحيان يمكن لأقل الأدلة أهمية أن تمنحنا مفاتيح بالغة الأهمية تعيننا على معرفة الفكرة التي كانت تدور في عقل المؤلف في واقعة الأمر.
لا يسعني أن أضع تحليلا كاملا لهذا الأمر في موضعنا هذا من الكتاب، لكني سأشير إلى سمة بالغة الأهمية ينفرد بها إنجيل يوحنا الذي هو آخر الأناجيل تدوينا، فقد دوِّن على الأرجح بعد حوالي خمس وعشرين سنة من لحظة تأليف إنجيل مرقس.
إن إنجيل يوحنا هو الإنجيل الوحيد الذي يشير إلى أن يسوع هو«...حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ.»(1: 29)ويكررها مرة أخرى بعد هذا العدد بسبع أعداد(يوحنا 1: 36). فلماذا إذن يُقْدِم يوحنا- آخر أناجيلنا تدوينا- على أن يغير اليوم والتوقيت الذي مات فيه يسوع؟ لعل السبب في ذلك هو أن يسوع في إنجيل يوحنا هو خروف الفصح الذي تجلب التضحية به الخلاص من الخطايا. فكون يسوع مثل خروف الفصح حذو القذة بالقذة، كان لزاما عليه أن يموت في اليوم(أعني يوم الاستعداد) والتوقيت(في لحظة ما بعد الظهيرة) الذي يذبح فيه خروف الفصح في الهيكل.
فيوحنا، إذا صغناها بطريقة أخرى، أدخل تغييرات على المعطى التاريخي لكي يرسخ قضية لاهوتية ألا وهي أن يسوع هو حمل الفصح. ولكي يوصل لنا هذه المسألة اللاهوتية، كان على يوحنا أن يخلق بيده تناقضا بين روايته وبين روايات الآخرين.
هذه الدراسة التمهيدية لتناقض واحد فحسب وقليل الأهمية يمكنه أن يقود خطانا إلى العديد من الاستنتاجات التي سأوردها على نحو أكثر تفصيلا في نهاية هذا الفصل.
1- هناك تناقضات بين أسفار العهد الجديد
2- بعض هذه التناقضات لا يمكن التوفيق بينها
3- من المستحيل أن تكون روايتا مرقس ويوحنا كلتاهما دقيقتين من الناحية التاريخية، حيث تتناقض إحداهما مع الأخرى حول قضية توقيت موت يسوع.
لكي نفهم ما كان كل مؤلف منهما يرمي إلى قوله، علينا أن نمعن النظر في تفاصيل كل رواية – وأن لا نتعامل مع أي رواية منهما مطلقا باعتبارها تقول الشيء نفسه الذي تقوله الرواية الأخرى. فيوحنا مختلف تمام الاختلاف عن مرقس في قضية محورية، وإن بدت تافهة ظاهريا. إذا كنا نريد أن نفهم ما يقوله يوحنا عن يسوع على حقيقته، لا يمكننا أن نوفق بين التناقض وإلا ضاعت علينا فرصة فهم مقصده.
الدكتور بارت إيرمان Bart D.Ehrmam
من كتاب صوت يسوع المحجوب
ترجمة كرم شومان وأعضاء فريق الترجمة بموقع حرَّاس العقيدة