قل هاتوا برهانكم عقائد وأديان مسيحيات برهانكم للرد علي شبهات النصارى

آباء الكنيسة
 
الباترولوجي
[ الباترولوجي ]

·التثليث عند آباء الرسوليين
·العلامة ترتليانوس والزواج الثاني
·بابياس أسقف هيرابوليس
·بوليكاربس في الميزان
·القديس اغناطيوس الأنطاكي
·القديس أغسطينوس والإرهاب الديني
·الحرب العادلة في فكر أوغسطينوس
·جون كالفن
·الباترولوجي - آباء الكنيسة
·الكذب .. السر الثامن من اسرار الكنيسة
  .  

خربشات صوماليانو
 
خربشاتـــصوماليانو
[ خربشاتـــصوماليانو ]

·سويعات في برية التيه
·الإختلافات العددية في الكتاب المقدس
·البابا شتودة: المسيح لم يقل أنا الله أعبدوني
·بولس الرسول كبير الغنوصيين
·الغنوصية والرهبنة في الأناجيل
·تيري جون وثقافة الحرق
·ديونيسيوس يعقوب السرياني وضياع الأسفار
·سيدعى ناصريا
·التسامح سلاحنا في وجه شنودة
·القمص يوحنا سلامة : البروتستانت حرفوا الكتاب المقدس
·الدوناتستيون
·ثامار الزانية في ظل الشريعة
  .  

الرد علي زكريا بطرس
 
شطحاتــزكريابطرس
[ شطحاتــزكريابطرس ]

·المسيح الجبار
·مسرحية نشيد الإنشاد
·النكاح في الجنة وشطحات زكريا بطرس
·انتهى زكريا بطرس كغيره والإسلام باق
·أحلام زكريا بطرس
·تأملات في نشيد الأناشيد
·نشيد الإنشاد كأشعار رابعة العدوية
·هلوسات زكريا بطرس
·الرد السماوي على زكريا بطرس
·بيان الشيخ الزغبي
·الرب مخلص مسيحه
·زكريا بطرس يبكي علي أطلال قناة الحياة
  .  

صوماليانو
 

تعدد الزوحات لماذا ترعب الكنيسة
البابا غريغوريوس الثاني وتعدد الزوجات
ضيوف الأنبا بيشوي أم أتباع الغزاة
ضمان الخلاص والجنة
العتل الزنيم مرقس عزيز
لا محلل ولا طلاق لأن العصمة في يد الأنبا بولا

  .  

ميلاد المسيح

 - المسيحية


تناقضات في روايات ميلاد المسيح وحياته


يمكننا الآن أن نتناول بالدراسة عددا من التناقضات بين روايات الأناجيل فيما يتعلق بحياة يسوع التي تبدأ من لحظة الميلاد. لقد قسمت هذه التناقضات تقسيما اعتباطيا إلى حد ما ليظهر أمامنا نوعان من الاختلافات: اختلافات تصيب المرء بالدهشة باعتبارها ذات أهمية خاصة وأخرى قد تبدو نسبيا غير ذات أهمية أو مثيرة للفضول. مرة أخرى أجد نفسي ملزما بالتشديد على أنني لن أتناول كل أمثلة التناقضات التي يمكن رصدها، فهذا يستدعي تأليف كتاب يفوق كثيرا حجم كتابي هذا.

 




ميلاد المسيح


لدينا روايتان فحسب عن ميلاد المسيح بين دفتي العهد الجديد وهما يتشكلان من الإصحاحات الافتتاحية لإنجيلي متى ولوقا. أما مرقس ويوحنا فيلتزمان الصمت تجاه هذه المسألة(أعني الميلاد من عذراء وأن بيت لحم هي مسقط رأسه وعناصر أخرى من تلك التي تشتمل عليها قصة ميلاد المسيح)؛ في مرقس ويوحنا يطل علينا يسوع كشابِّ يافع. كما لم تُذْكَرْ تفاصيل ميلاده في أي من كتابات بولس أو كتابات المؤلفين الآخرين لأسفار العهد الجديد. من أجل ذلك ما يعرفه الناس عن قصة عيد الميلاد، أو ما يظنون بالأحرى أنهم يعرفونه عنها، مصدره على وجه الحصر إنجيلا متى ولوقا. والقصة التي يتواصل سردها في شهر ديسمبر من كل عام هي في حقيقة الأمر مزيج من الروايتين اللتين وردتا في هذين الإنجيلين، أي أنها توليفة تجمع تفاصيل ذكرت في الإنجيل الأول مع تفاصيل أخرى من الإنجيل الآخر، والهدف من هذا الصنيع هو خلق إنجيل أكبر يحمل بين طياته رواية محكمة متناغمة. وفي الحقيقة، هذه الروايات بحد ذاتها ليست متناغمة على الإطلاق. فهي لا تقدم فحسب قصصا مختلفة تمام الاختلاف عن كيفية ميلاد يسوع، بل إن بعضا من هذه الاختلافات تبدو متناقضة(والبعض الآخر لا يجتاز اختبار المصداقية التاريخية كذلك، لكن هذه قضية أخرى).

أيسر السبل لتوضيح الاختلافات الواقعة بين الروايات هو أن تضعهما في صورة مختصرة. فالأعداد من 1: 18 إلى 2 : 23 من إنجيل متَّى تسير فيها أحداث الرواية كالتالي: مريم ويوسف مخطوبان وفي سبيلهما للزواج وفي هذا الوقت تُرَى مريم حبلى. يوسف الذي يفترض أسوأ الافتراضات يخطط لتطليقها لكن يوحى إليه في حلم أن مريم حبلى من الروح القدس. ثم يتزوجان ويولد المسيح. بعد ذلك يصل الرجل الحكماء من الشرق مقتفين أثر نجم قاد خطاهم إلى أورشليم حيث يسألون عن مكان ملك اليهود المزمع أن يولد. يستوضح الملك هيرودس الأمر فيخبره العلماء اليهود أن ثمة نبوء بظهور ملك يولد في بيت لحم. يخبر الملك هيرودس الرجال الحكماء الذين وصلوا إلى بيت لحم ومرة أخرى يقودهم نجم، هذا النجم يتوقف فوق البيت الذي يسكنه آل يسوع. يقدم الحكماء هدايا من أجله ثم يحذرون في حلم من العودة إلى الملك هيرودس كما قد طلب منهم، بل ليسلكوا سبيلا آخر في طريق عودتهم إلى وطنهم. هيرودس، لأنه الملك، يصيبه هذا الذي سيولد ليصير ملكا بالرعب فيرسل جنوده ليذبحوا كل طفل ذكر من سن عامين فما يزيد في بيت لحم وما حولها. لكن الملائكة تنذر يوسف في حلم رآه. فيهرب ومريم ومعهما يسوع من المدينة قبل أن تبدأ المذبحة ويسافرون إلى مصر. ويبلغ يوسف فيما بعد وهو في مصر في حلم أن هيرودس قد وافته المنية وأن بمقدورهم العودة. لكنهم حينما يكتشفون أن أرخيلاوس، ابن هيرودس، هو الحاكم على اليهودية، يقرران ألا يعودوا، بل أن يذهبوا عوضا عن ذلك إلى الجهة الشمالية من الجليل، إلى مدينة تدعى الناصرة. وهناك في هذه المدينة يترعرع يسوع.

واحدة من الميزات التي ينفرد بها متَّى، والتي تجعله متميزا عن لوقا هي الطريقة التي يؤكد بها المؤلف باستمرار على أن كثيرا من الحوادث قد وقعت «لكي يتم ما قيل بالأنبياء»(الأعداد 1: 22 ، 2 : 6 ، 2 : 18 ، 2 : 23 ).
هذا يعني أن ميلاد يسوع كان تحقيقا لنبوءات الكتاب المقدس. لم يكن لوقا على الأرجح لينكر هذا، لكنه لاذ بالصمت فيما يتعلق به. فثمة مسألتان لم يتفق عليهما لوقا مع متَّى: أن مريم كانت عذراء وأن يسوع ولد في بيت لحم. لكن المثير للدهشة هو تلك الكيفية بدت عبرها رواية لوقا مختلفة عن رواية متى في الطريقة التي أظهر بها هاتين النقطتين.

النسخة الأكثر إسهابا من رواية الميلاد التي للوقا(لوقا 1 : 4 – 2 : 40) تبدأ برواية مطنبة عن إعلان الملاك للمرأة العاقر إليصابات أنه ستلد يوحنا المعمدان الذي هو، وفقا لما ورد في لوقا، أحد أقرباء يسوع(فإليصابات ومريم تربطهما علاقة قرابة ولوقا هو المؤلف الوحيد في العهد الجديد الذي أشار لهذا). يقول لوقا إن مريم هي عذراء مخطوبة ليوسف. فيما بعد سيظهر ملاك لها ليخبرها أنها، كذلك، ستحبل بالروح القدس وستنجب ابن الله. تقوم مريم بزيارة إليصابات التي مضى على حملها ستة شهور والتي يقفز جنينها في رحمها فرحا بزيارة «أم [الـ]سيد.» فتبدأ مريم في ترنيم الرب بطريقة عفوية. ويولد يوحنا ويبدأ أبوه زكريا بعفوية أيضًا في التنبوء. وبعيد ذلك تبدأ قصة ميلاد يسوع في البروز أمامنا.


ويصدر قرار من قِبَل الإمبراطور الروماني أغسطس بوجوب أن يتقدم كل فرد في الإمبراطورية للاكتتاب العام من أجل التعداد ؛ يقال لنا إن هَذَا الاِكْتِتَابُ الأَوَّلُ جَرَى إِذْ كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ. وكان على كل فرد أن يعود إلى وطنه الأصلي لكي يتم الاكتتاب. ولأن أجداد يوسف كانوا من بيت لحم(فهو ينحدر من نسل الملك داوود الذي كان قد ولد هنا)، يسافر إلى هناك برفقة مريم خطيبته. وبينما هي هناك تلد يسوع فتقمطه بقطع من الأقمشة وأضجعته في مزود« إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي النزل». وفي أحد الحقول تزور الرعاةَ جمهرة ملائكية تخبرهم أن المسيح قد ولد في بيت لحم؛ فيذهبون ويسجدون للطفل الوليد. بعد ذلك بثمانية أيام يختن يسوع. وبعدها يقدم يسوع إلى الرب في الهيكل ويقدم والداه الأضحية التي عينتها الشريعة الموسوية من أجل هذه المناسبة. وهناك يتعرف عليه باعتباره المسيح أحدُ الرجالِ الأتقياء الصالحين واسمه سمعان وامرأةٌ طاعنة في السن تقية اسمها حنَّة. وعندما أديا، مريم ويوسف، كل ما طلبته منهما شريعة الرب فيما يتعلق بميلاد الابن البكر، يعودان للناصرة حيث سيتربى يسوع.

«شريعة الرب» التي تتكرر الإشارة إليها طوال هذه الرواية هي سفر اللاويين الإصحاح 12 والذي ينص على أن التقدمات التي تساق إلى الهيكل ينبغي تقديمها بعد ميلاد الطفل بثلاثة وثلاثين يوما.
قبل أن أفحص الاختلافات الموجودة بين الروايتين، لابد أن أشير إلى أن الناقد التاريخي يجد صعوبات حقيقية في الروايتين كلتيهما. في متَّى، على سبيل المثال، ماذا يعني قول البشير إن نجما دل الرجال الحكماء وإن هذا النجم يتوقف فوق أورشليم، ثم ينطلق ثانية ويقودهم إلى بيت لحم، ويقف مرة ثانية فوق البيت المقصود بعينه والذي يعيش فيه يسوع؟ أي نوع من النجوم يفعل هذا بالضبط؟
أهو نجم يتحرك حركة بطيئة لدرجة تكفي لأن يقتفي أثره الرجال الحكماء الماشين على أقدامهم أو الممتطين ظهر بعير لهم ثم يتوقف ليبدأ من جديد، ثم يتوقف ثانية؟ وكيف تحديدا يقف النجم فوق بيت؟ أقول عادة لطلابي أن يخرجوا في بعض الليالي التي تكون فيها النجوم ظاهرة وأن يختاروا واحدًا من أكبر النجوم حجما في السماء وأن يتخيلوا أي بيوت الحي الذي يعيشون فيه سيقف فوقه هذا النجم. جلي أن ما يجري سرده هنا هو حادث إعجازي، ومع ذلك فيصعب جدا استيعاب ما كان يقصده المؤلف من هذا الكلام. لا يبدو أنه نجم حقيقي أو نجم مستعر أو مذنب أو أي ظاهرة فلكية يعرفها الناس من قبل.

من حيث التسجيل التاريخي، لابد أن أشير كذلك إلى أنه ليس ثمة رواية في أي مصدر عتيق من أي نوع تحدثت عن الملك هيرودس وقيامه بقتل الأطفال في بيت لحم أو فيما حولها أو في أي مكان آخر. وليس هناك مؤلف آخر، سواء أكان كتابه جزءًا من الكتاب المقدس أو لم يكن، يذكر هذه الحادثة. فهل هي، مثل رواية وفاة يسوع بحسب يوحنا، عنصر في القصة اختلقه متَّى اختلاقا لكي يثبت قضية لاهوتية ما؟

إن المشكلات التاريخية التي نصطدم بها في إنجيل لوقا هي أكثر وضوحا من هذه. فأولا لدينا سجلات جيدة نسبيا لفترة حكم قيصر أغسطس وليس هناك ذكر في أي مكان من أي تسجيل منها لتعداد للسكان يشمل الإمبراطورية جمعاء فرض لإتمامه على جميع الأفراد أن يتقدموا للاكتتاب العام من خلال العودة لأوطانهم الأصلية. وكيف يمكن لأمر كهذا أن يتصوره عقل؟ أعني أن يعود يوسف إلى بيت لحم لأن جده الأعلى داوود كان قد ولد هناك. لقد عاش داوود قبل ميلاد يوسف بألف عام. أعلينا أن نتصور أنه كان على كل مواطن في الإمبراطورية الرومانية أن يعود إلى وطن أجداده الذين عاشوا منذ آلاف السنين؟ لو أن تعدادًا سكانيا يشمل سكان الكرة الأرضية جرى تنظيمه اليوم وكان لزاما علينا أن يعود كل منا إلى المدن التي عاش فيها أجداده منذ ألف سنة، فأين كنت ستذهب؟ هل يمكنك أن تتخيل الارتباك الشامل الذي سيضرب الحياة الإنسانية الذي سيفرضه هذا النوع من الهجرة الكونية؟ وهل يمكنك أن تتصور أن لا يرد لمثل هذا المشروع ذكر في أي جريدة من الجرائد؟ ليس ثمة أي إشارة وحيدة فريدة لأي تعداد في أي مصدر قديم، باستثناء إنجيل لوقا. فلماذا إذن يقول لوقا إنه كان ثمة تعداد؟ ربما تبدو لك الإجابة واضحة وضوح شمس الضحى في كبد السماء. لقد أراد أن يستولد المسيح في بيت لحم مع أنه على يقين من أن الناصرة هي موطنه. لقد فعل متى الشيء ذاته، لكنه فعله بطريقة مختلفة.

والفروق التي بين الروايتين صادمة للغاية. فكل شيء في الواقع كان قد قيل في متَّى لا نجد له ذكرًا في لوقا، وكل القصص التي رواها لوقا، لا نعثر لها على وجود في متَّى. يذكر متَّى الأحلام التي رآها يوسف والتي لا نجد لها مثيلا في لوقا؛ ولوقا يذكر زيارات الملائكة لإليصابات ومريم والتي نجدها غائبة في إنجيل متَّى. أما متى فينفرد بذكر قصة الرجال الحكماء، وذبح هيرودس للأطفال، والرحلة إلى مصر، وتخطي العائلة المقدسة لليهودية في طريق عودتهم إلى الناصرة- كل هذه القصص مفقودة في لوقا. أما لوقا فقد انفرد بذكر ميلاد يوحنا المعمدان والتعداد الذي نظمه قيصر والرحلة إلى بيت لحم والمزود والنُزُل والرعاة والختان وتقديم الطفل يسوع في الهيكل ثم أخيرا العودة إلى الوطن مباشرة- كل هذه الأمور مفقودة في إنجيل متَّى. ربما متى الآن يقصد ببساطة أن يحكي طرفا من القصة ولوقا يرمي إلى سرد بقيتها حتى إذا حل ديسمبر من كل عام يكون لدينا مبررنا في دمج الروايتين لتكون النتيجة موكب عيد الميلاد ترى فيه الرعاة والرجال الحكماء جنبا إلى جنب ومعهما الرحلة من الناصرة والهروب إلى مصر كلاهما. المعضلة تكمن في أنك لو تنظر إلى الروايات عن كثب، فستجد أمامك اختلافات في وجهات النظر وتناقضات يصعب، بل يستحيل، أن تبعث في أرجائها التناغم.

لو أن الأناجيل كانت على صواب حين صرحت بأن ميلاد يسوع حدث في فترة حكم هيرودس، فإن لوقا لا يمكن أن يكون مصيبا هو الآخر حين زعم أن الميلاد قد وقع حينما كان كيرينيوس واليا على سورية. فنحن نعلم من عدد من المصادر التاريخية الأخرى، من بينها تاسيتوس المؤرخ الروماني ويوسيفوس المؤرخ اليهودي إلى جانب العديد من النقوش القديمة، أن كيرينيوس لم يعتل سدة الولاية في سورية قبل عام 6 ميلاديا، أي بعد وفاة هيرودس بعشر سنوات.

إن مقارنة دقيقة بين الروايتين تظهر كذلك وجود تناقضات داخلية بينهما. إحدى طرق استيعاب حقيقة المشكلة تتمثل في توجيه السؤال التالي: وفقا لإنجيل متَّى، أي مدينة على وجه التحديد كانت هي مسقط رأس الزوجين مريم ويوسف؟ إجابتك التلقائية هي أن «الناصرة» هي تلك المدينة. لكن لوقا وحده ينفرد بهذا القول. لا يذكر متى أي شيء بهذا الصدد. فهو يذكر يوسف ومريم للمرة الأولى لا فيما يتصل بالناصرة، بل ببيت لحم. فالحكماء الذين تبعوا النجم( من المفترض أن هذا حدث في وقت ما)، يأتون إلى بيت لحم ليسجدوا ليسوع في بيته. يبدو جليا أن يوسف ومريم يعيشان هنا. فليس هناك أي ذكر لنُزُل أو لمزود في متى. أضف إلى ذلك أن هيرودس حينما يأمر بذبح الأطفال، يصدر أوامره لجنوده بأن يذبحوا كل ذكر من عمر سنتين فما تحت. لابد أن يشير هذا إلى أن يسوع كان قد ولد قبل مدة من ظهور الرجال الحكماء. وإلا فلن يكون لهذه الأوامر أي معنى: فحتى الجنود الرومان كان بمقدورهم يقينا أن يعرفوا أن طفلا لم يتعلم المشي بعد يتسكع حول ملعب من الملاعب ليس طفلا ولد في وقت ما خلال الأسبوع المنصرم. إذن مريم ويوسف ما يزالان منذ شهور أو حتى عام أو أكثر من عام من بعد ميلاد يسوع يعيشان في بيت لحم. فكيف إذن يكون لوقا مصيبا عندما يقول إنهم من الناصرة وقد عادوا إليها فحسب منذ شهر تقريبا بعد ميلاد يسوع؟ فوق ذلك تخطط العائلة، وفقا لمتى، وبعد هروبها إلى مصر ثم عودتها عند هلاك هيرودس، في البداية للعودة إلى اليهودية حيث تقع مدينة بيت لحم. لكنهم يعجزون عن فعل هذا، مع ذلك، لأن أرخيلاوس هو الآن من يعتلي سدة الحكم، ولهذا يرحلون مرة أخرى إلى الناصرة. في رواية متَّى، لا يعود أصلهم من الأساس إلى الناصرة، بل إلى بيت لحم.

والأمر الأكثر وضوحا مع ذلك هو ذلك التناقض المتعلق بالأحداث التي جرت بعيد ميلاد يسوع. ولو كانت رواية متىَّ عن هروب العائلة المقدسة إلى مصر صحيحة تاريخيا، فكيف تكون رواية لوقا عن عودتهم إلى الناصرة بطريقة مباشرة صحيحة من المنظور نفسه؟
هناك مشكلات كبيرة، إذا قصدنا إلى الاختصار، تتعلق بروايات ميلاد يسوع حينما تفحصها من منظور علم النقد التاريخي. وهناك أمور غير جديرة بالتصديق من الناحية التاريخية وتناقضات يمكن بالكاد التأليف بينها. ولماذا نجد هذه التناقضات؟ ربما بدت الإجابة بديهية لبعض القراء. فما ظل النقاد يطرحونه من أقوال لآماد متطاولة عن هذه الروايات الإنجيلية هو أن الروايتين كلتيهما تحاولان التأكيد على القضيتين نفسيهما: أن أم يسوع كانت عذراء وأنه ولد في بيت لحم. ولماذا ولد في بيت لحم؟ لقد كان متى يعلم من أين تؤكل الكتف: فهناك نبوءة في سفر ميخا في العهد القديم تنص على ظهور مخلِّص في بيت لحم. فماذا كان هؤلاء الكتاب سيفعلون وهم يعلمون حقيقة أنه كان معروف على نطاق واسع أن مسقط رأس عائلة يسوع هي الناصرة؟ لقد كان لزاما عليهم أن يوجدوا رواية تفسر الطريقة التي جاءت بيسوع من الناصرة الواقعة جغرافيا في الجليل تلك المدينة المحدودة جدا من ناحية المساحة الجغرافية والتي لم يسمع بها أحد من قبل، مع أنه في الأساس كان قد ولد في بيت لحم موطن الملك داود الجد الملكي للمسيح. ولكي يرسخ متى ولوقا الاعتقاد بأن يسوع قد ولد في بيت لحم ورُبِّي في الناصرة، يجد كل منهما على حدى حلولا لا شك في أنها تطعن في مصداقية كل منهما في الصميم. لكن المؤرخ بمقدوره أن يكتشف المشكلات التي تشتمل عليها كل رواية على حدى، والقارئ الواعي بمستطاعه أن يرى أنه عندما نوضع هذه الروايات جنبا إلى جنب( أي تقرأ قراءة أفقية)، تبدو كل واحدة منهما مخالفة للأخرى حول العديد من القضايا المحورية.


الفقرات التي تضم سلاسل النسب ليست دائما موضع تفضيل لدى قراء الكتاب المقدس. يبدي تلامذتي في كثير من الأحيان تذمرهم حينما أجبرهم على قراءة سلسلتي نسب يسوع في إنجيلي متى ولوقا. فإذا رأيت أنهم يعتبرون أمري لهم بالقيام بهذا شيئا سيئا، أسدي لهم نصيحة بأن يقرأوا سفر أخبار الأيام الأول. فمساحة هذا السفر تغطي تسعة إصحاحات كاملة، إصحاحا وراء آخر. فعند المقارنة، تبدو سلسلتا نسب يسوع في إنجيلي لوقا ومتى أقصر طولا وألطف وقعا. لكن المشكلة هي فيما بينهما من اختلافات.

مرة أخرى أكرر أن متى ولوقا هما إنجيلانا الوحيدان اللذان يمنحاننا نسب عائلة يسوع. هذا في حد ذاته يخلق مشكلة محيرة. فكما رأينا يصر متى ولوقا كلاهما عن قصد على أن أم يسوع كانت عذراء: لقد وجدت حبلى من الروح القدس، ويوسف ليس أبا ليسوع. لكن هذا يخلق مشكلة بديهية. إذا لم تكن ثمة علاقة دم تربط يسوع بيوسف ، فلماذا يتعقب متى ولوقا نسب يسوع عبر يوسف بهذا القدر من العناية؟ هذا سؤال لا يجيب عليه أي من المؤلفين: فالروايتان كلتاهما يعطياننا نسبا لا يمكن أن يكون ليسوع، حيث إن نسبه الحقيقي وعلاقة الدم الوحيدة التي له لا تمر إلا عبر مريم التي لا يذكر أي منهما أي معلومات عن نسبها.
بعيدا عن هذه المشكلة التي تتسم بعموميتها، هناك اختلافات عديدة وبديهية في وضوحها بين النسبين الواردين في الإصحاح الأول من متَّى والثالث من لوقا. بعضها لا يمثل تناقضا بحد ذاته؛ بل مجرد اختلافات عادية. فمتَّى، على سبيل المثال، يعطينا سلسلة النسب في مستهل إنجيله، أعني في أعداد إنجيله الأولى؛ أما لوقا فيعطينا سلسلته بعد معمودية يسوع في الإصحاح الثالث( الذي هو موضع شاذ لأن تذكر فيه سلسلة نسب، فالعهد بسلاسل النسب أن تكون ذات علاقة بيوم ميلادك، وليس بيوم معموديتك وأنت في سن الثلاثين. لكن ربما كان للوقا أسبابه في أن يضعها في هذا المكان الذي وضعها فيه). فأما النسب كما يورده متَّى فيتعقب نسب يوسف عبر الملك داوود جد المسيح وصولا إلى إبراهيم أب اليهود. وأما النسب اللوقاوي فيعود لما هو أبعد من ذلك متعقبا السلسلة حتى آدم أبي الجنس البشري.

لي عمة متخصصة في علم الأنساب تتفاخر بأنها تعقبت نسب عائلتنا ليصل بها النسب إلى أحد المسافرين على متن السفينة«مايفلاور». مع ذلك فما لدينا هنا هو نسب يعود إلى أيام آدم، آدم وحواء أبا البشرية. يا له من نسب مثير للدهشة!

ربما يتساءل المرء عما قد يدفع المؤلفين لوضع نهايتين مختلفتين لسلسلتي النسب في إنجيليهما. عادة ما يظن البعض أن متَّى، ذلك الإنجيل الذي يعنيه كثيرا إظهار انتماء يسوع لليهودية، يريد أن يشدد على علاقةيسوع بملك اليهود الأعظم داوود، وبأبي اليهود إبراهيم. أما لوقا، في الجهة الأخرى، فهو معنيٌّ على نحو أكبر بإظهار يسوع كصاحب رسالة خلاص لكل البشرية، اليهودي منهم والأممي، وهو ما نراه في سفر أعمالالرسل الذي يمثل الجزء الثاني من إنجيل لوقا والذي نرى فيه الأمم وقد قُبِلُوا كأعضاء في الكنيسة. ولذلك يظهر لوقا يسوع كقريب لنا جميعا من جهة آدم.
اختلاف آخر بين سلسلتي النسب يتمثل في أن متى في بداية إنجيله يبتدئ بإبراهيم ثم ينزل بالنسب جيلا وراء آخر وصولا إلى يوسف؛ أما لوقا فيتجه اتجاها مغايرا فيبدأ بيوسف ويصعد به جيلا بعد آخر حتى يعودإلى آدم.

هذه إذن ببساطة هي بعض الاختلافات بين الروايتين. المشكلة الحقيقية التي تطرحها هذه الاختلافات، مع ذلك، هو أن النسبين في الواقع متباينين. وأيسر السبل لتبيُّنِ هذه الفروق هو أن نوجه السؤال البسيط التالي: من أبو يوسف في كل نسب على حدى، ومن جدُّه من جهة أبيه ومن أبو جده؟ في متى يبتدئ النسب بيوسف فيعقوب فمتَّان فأليعازر فأليود ويستمر هكذا موغلا فيما مضى من زمان. أما في لوقا فيسير النسب منيوسف إلى هالي ومنه لمتثات ثم إلى لاوي فملاخي. ثم يصيرا متشابهين في النهاية حينما يصلان إلى الملك داوود(مع أن هناك مشكلات أخرى كما سنرى)، لكنهما يعودا فيضطربان من داوود وحتى يوسف.

كيف يحل المرء هذه المعضلة؟ ثمة افتراض نمطي يتمثل في القول بأن النسب الذي أورده متى هو نسب يوسف حيث يركز فيه متى على يوسف في روايات الميلاد تركيزا أكبر، وفي القول إن النسب الذي للوقا هونسب مريم التي يركز عليها لوقا أكثر من تركيزه على يوسف في روايته عن الميلاد. وهو حل جذاب إلا أنه يتضمن عيبا قاتلا. فلوقا يشير بوضوح إلى أن نسب الأسرة هو ذاك الذي ليوسف، وليس لمريم(لوقا 1 : 23 ؛ وكذلك متَّى 1 : 16 )[1]

وهناك مشكلات أخرى. تعد سلسلة النسب التي ذكرها متى هي، من بعض النواحي، الأكثر لفتا للنظر لأنه يشدد فيها على الأهمية العددية لنسب يسوع. فمن إبراهيم وصولا لداوود، ملك إسرائيل الأعظم، هناك أربعةعشر جيلا؛ ومن داوود وإلى دمار مملكة يهوذا على يد البابليين، أو أعظم كارثة في تاريخ شعب إسرائيل، هناك أربعة عشر جيلا مثلها؛ ومن الكارثة البابلية حتى ميلاد يسوع هناك أربعة عشر جيلا(1 : 17 ). أربعةعشر وأربعة عشر وأربعة عشر ثالثة: وكأن الله في الغالب هو من خطط أن يسير الأمر على هذا المنوال. وفي الحقيقة هذا ما يعنيه متى بالفعل. فبعد كل أربعة عشر جيلا يقع حادث ذو شأن. وهذا يعني بالضرورة أنيسوع، أو الجيل الرابع عشر، هو شخص له عند الله منزلة عظيمة.

المشكلة هي أن الرسم البياني المكون من «ثلاثة أربعة عشر» ليس دقيقا. فلو أنك قرأت ما بين الأسماء بعناية، سترى أن المجموعة الثالثة منها لا تحتوي في الحقيقة سوى على ثلاثة عشر اسما فحسب. أضف إلى ذلك أنه من اليسير نسبيا أن تخضع النسب الوارد في متى للمقارنة مع المصدر الذي استقى منه متى نسبه والذي هو الكتاب المقدس العبري نفسه الذي كان مصدرا استقى منه متّى الأسماء الواردة في سلسلة نسبه. فإذافعلنا هذا، يتضح لنا أن متى قد حذف بعض الأسماء من الأجيال الأربعة عشر من داوود وحتى الكارثة البابلية. ففي العدد 1 : 8 يشير متى إلى يورام باعتباره أبا لعُزِّيا. لكننا نعرف من سفر أخبار الأيام الأول الإصحاحالثالث والأعداد 10 – 12 أن يورام لم يكن أباه، بل جد جده.(8) أي أن متَّى، بطريقة أخرى، أسقط ثلاثة أجيال من سلسلة نسبه. ولماذا فعل ذلك؟ لابد أن جواب هذا السؤال بديهي, فلو أن متى ذكر الأجيال جميعها، فلنيكون بوسعه أن يزعم أن شيئا ذا بال وقع على رأس كل أربعة عشر جيلا.

مع ذلك فلماذا يشدد متى على العدد أربعة عشر تحديدًا؟ لماذا ليس سبعة عشر أو أحد عشر؟ ذكر العلماء عددا من التفسيرات عبر السنين. فبعضهم أشار إلى أن العدد سبعة في الكتاب المقدس هو الرقم المثالي. فإنصح هذا، فما علاقة هذا بالرقم أربعة عشر؟ علاقته به إنه يمثل ضعف الرقم سبعة. ومن هنا فهذا يحعل نسب المسيح نسبا «مثاليا على نحو مضاعف». نظرية أخرى، وربما تبدو أكثر إقناعا، هو أن النسب قد صيغتحديدا لكي يشدد على أن يسوع هو المسيا. فالمسيا لابد أن يكون «ابنا لداوود»، أي منحدرا من نسل أعظم ملوك بني إسرائيل. من المهم أن نعرف في هذا المقام أن الحروف الأبجدية في اللغات القديمة كانت لهاوظيفة أخرى وهي أنها حروف وفي الوقت نفسه أرقام، ولذلك فالحرف «أَلِف» العبري هو نفسه الرقم واحد كذلك، وأما الحرف الثاني، «بيت»، فيساوي الرقم اثنين، والثالث، «جيمل»، يساوي الرقم 3 وهلم جرًّا. وهناك أمر آخر فيما يتعلق بالعبرية القديمة وهو أنها لم تكن تستعمل حروف العلة. ولهذا فالاسم داوود كان يجري كتابته كالتالي: «د.?.د». فأما الحرف «د»(واسمه «داليت») فيساوي الرقم 4، وأما الحرف«?»(وينطق « ?ا?») فيساوي العدد 6 . فإذا جمعت الحروف المكونة لاسم داوود، ستجدها مساوية للعدد 14 . ولعل هذا هو السبب الذي أراد متى من أجله أن يكون ثمَّة في نسب يسوع المسيح ابن داوود ثلاث مجموعات كل مجموعة منها تتضمن أربعة عشر جيلا.

لسوء الحظ، كان عليه، لكي يجعل الأرقام تؤتي أكلها وتحقق الغرض المرجو منها، أن يحذف بعض الأسماء. ربما سأشير كذلك إلى أن متى لو كان محقا في رسمه البياني المشتمل على ثلاثة «أربعة عشر» اسما، كناسنجد 42 اسما بين إبراهيم ويسوع. أما النسب عند لوقا، مع ذلك، فيمنحنا 57 اسما. فهذان إذن نسبان مختلفان.

وما هو السبب في هذا التناقض؟ السبب أن كل مؤلف من هذين الاثنين كان له غرضه من إقحام سلسلة النسب في إنجيله- أو كان عندهما بالأحرى العديد من الأغراض: أعني إبراز ما بين يسوع وأبي اليهود إبراهيم(وأخص متى في هذا المقام بالذكر) وداوود أعظم ملوك إسرائيل(عند متَّى كذلك) ، والجنس البشري ككل (عند لوقا)من نسب وصلة. من المحتمل جدا أن المؤلفين كانا ينقلان عن غيرهما سلسلتي النسب هاتين، أو ربما اختلقاهما اختلاقا. وكلاهما بطبيعة الحال لم يكن ليدور بمخيلته أن ما يكتبه سيعين كجزء من «العهد الجديد» أو أن نقاد المنهج التاريخي الذين سيولدون بعد ذلك بألفي عام سيعقدون مقارنة دقيقة بين وبين غيره. ويقينا لم يستشر أحد الرجلين صاحبه في سبيل الخروج بنص متناغم ومتوافق لما ذكراه من حقائق. فكل واحد منهما ذكر روايته بأمثل الطرق التي استطاعها، لكن روايتيهما انتهى بهما الحال إلى أن صارا منضاربين.

 الدكتور بارت إيرمان  Bart D.Ehrmam

من كتاب صوت يسوع المحجوب

ترجمة كرم شومان وأعضاء فريق الترجمة بموقع  حرَّاس العقيدة


[1]

 

  أرسلت في الأثنين 09 نوفمبر 2009 اعتمد بواسطة abasheikh  


 

روابط ذات صلة
 · زيادة حول - المسيحية
· الأخبار بواسطة abasheikh


أكثر مقال قراءة عن - المسيحية:
نشيد الانشاد

  .  

تقييم المقال
 
المعدل: 1
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

  .  

خيارات
 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

  .  

"ميلاد المسيح" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

عبد الباسط عبد الصمد

الرد على القمص إبراهيم لوقا

تنزيه القرآن الكريم

العقيدة المسيحية

الأسفار القانونية الثانية والأبوكريفا

الله واحد أم ثلاثة


برهانكم للرد علي شبهات النصارى مكرس للرد علي ترهات النصاري وتطاولهم علي الإسلام .. حقوق النشر متاحة للجمع ونرجوا ذكر صفحة المقال واسم الكاتب ..