الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو ما حدث ليهوذا بعد قيامه بصنيعه الخياني. لا يقول مرقس ولا يوحنا شيئا في هذا الصدد: فيهوذا يختفي بكل بساطة من مشهد الأحداث. والأمر نفسه ينطبق على إنجيل لوقا، إلا أن هذا الأخير كان قد كتب مجلدا آخر من إنجيله ألا وهو سفر أعمال الرسل.(11) يورد سفر أعمال الرسل رواية لما وقع ليهوذا بعد خيانته، والأمر نفسه ينطبق على إنجيل متى، لكن المثير للصدمة هو أن الروايتين يضطربان فيما بينهما اضطرابا صريحا في عدد من النقاط.
الرواية الأكثر شيوعا والتي تقول إن يهوذا قد خرج و«شنق نفسه» أصلها إنجيل متى(27 : 3 – 10 ). فبعد أن يرى يهوذا كيف أن خيانته قد أودت بيسوع إلى المحاكمة، يشعر بتأنيب الضمير ويحاول أن يعيد القطع الثلاثين من الفضة التي حصل عليها إلى زعماء الكهنة اليهود، قائلا لهم إنه«قد أخطأ إذ سلم دمًا بريئا.» فيرفضون قبول المال ولذلك يطرح المال في الهيكل ويمضي فيشنق نفسه. يجمع كبار الكهنة المال ويقررون أنهم لا يحل لهم أن يعيدوه إلى خزينة الهيكل لأنها «ثمن دم»: أي مال ملطخ بدم إنسان برئ. ولذلك يقررون أن يستخدموه استخداما حسنا وأن يشتروا به «حقل الفخاري» الذي من المحتمل أن صناع الفخار كانوا يحصلون منه على الصلصال محولين إياه إلى مكان لدفن الغرباء الذين ماتوا في أورشيلم. ولأنه كان قد اشتري بمال الدم الذي ليهوذا، يقال لنا إن هذا المكان «يسمي حقل الدم إلى هذا اليوم». هناك بعض القضايا المشابهة لدى لوقا في روايته: فموت يهوذا مرتبط بشراء حقل يسمى «حقل الدم.» لكن التفاصيل بها تباين واضح، بل حتى تناقض، مع القصة التي يرويها متَّى. ففي سفر الأعمال (1: 18 – 19 ) يقال لنا إن يهوذا نفسه، وليس الكهنة اليهود، هو من اشترى الحقل «من أجرة الظلم»، أي المال الذي اكتسبه جراء خيانته. ولا يقال إنه قد شنق نفسه. فبدلا من ذلك يعلمنا لوقا أنه سقط «على وجهه» و«انشق من الوسط» ولذا فقد «انسكبت أحشاؤه.» بالنسبة للوقا السبب الذي جعل هذا الحقل يدعى حقل الدماء هو أن يهوذا قد نزف دما على أرضه.
لقد حاول القراء على مرِّ السنين أن يوفقوا بين هاتين الروايتين عن موت يهوذا. كيف يحدث لها الأمران كلاهما: أن يشنق نفسه وأن «يسقط على وجهه» حتى تنشق بطنه وتنسكب أمعاؤه على جميع أرض الحقل؟ المفسرون البارعون، ممن يبتغون التوليف بين هاتين الروايتين ليخرجوا برواية واحدة صحيحة، كان لهم مع هذا الموضع يوم مشهود. فربما كانت الحقيقة أن يهوذا قد شنق نفسه فانقطع الحبل وسقط على الأرض فلامست رأسه الأرض أولا ثم انشقت بطنه من الوسط. أو لعله شنق نفسه فلم ينجح الأمر فلذلك اعتلى صخرة شاهقة وقفز قفزة الأوز العراقي إلى الأسفل تجاه الحقل. أو لعله...حسنا، لعله خيار غير ذلك.
القضية تظل رغم هذه المحاولات على أن الروايتين كلتيهما تعطياننا صورة مغايرة عن الكيفية التي مات بها يهوذا. وعلى الرغم من الغموض الذي يكتنف القول بأنه سقط على وجهه فانشقت بطنه وخرجت أحشاؤه، فإنه في الأخير لم «يشنق» نفسه. والروايتان يتناقضان بوضوح من وجهين: من اشترى الحقل( الكهنة، كما هو الحال عند متى، أم يهوذا، كما ينقل لنا سفر الأعمال؟) ولماذا دعي الحقل «حقل الدم»( ألأنه قد اقتني بأجرة دم، كما يقول متى، أم لأن يهوذا نزف داخله، كما يقول سفر الأعمال؟).
أحداث القيامة
لم تكن التناقضات بين الأناجيل أكثر وضوحًا في موضع منها فيما يتعلق بروايات الأناجيل عن قيامة يسوع من بين الأموات. غالبا ما أجد طلابي في الصف الأول، كنوع من التدريب، يعقدون مقارنات يسجلون أثناءها في قائمة كل ما قيل في كل إنجيل من الأناجيل الأربعة عن الأحداث التي وقعت بين الوقت الذي يقع بين دفن يسوع وحتى نهاية الأناجيل. ليس ثمة ما هو أفضل هذا الأمر كمقدمة لفكرة القراءة الأفقية للأناجيل. هناك الكثير من الاختلافات بين الروايات الأربع وبعض هذه الاختلافات تعد تناقضات لا يمكن التوفيق بينها وبين الروايات الأخرى بسهولة (أو مطلقا). يجد الطلاب في هذا التمرين شيئا ذا بال لأنني لست مجرد شخص يخبرهم بوجود تناقضات بين الروايات: فها هم أولاء يكتشفون التناقضات بأنفسهم ويحاولون أن يعثروا على المنطق من ورائها.
وهنا اسمحوا لي أن أؤكد على فكرة بسطت الحديث عنها في كتابي«تحريف أقوال المسيح»: نحن لا نمتلك أيا من النسخ الأصلية لهذه الأناجيل، ما لدينا لا يعدو أن يكون مجرد نسخ كتبت في وقت تال، وفي أغلب الحالات يقدر هذا الوقت التالي بقرون كثيرة. هذه النسخ جميعا تختلف بعضها عن بعض، وكثيرا جدا ما تحدث هذه الاختلافات في روايات قيامة يسوع من الأموات. ويكون لزاما على العلماء أن يحددوا النص الأصلي الذي تصرح به النسخ الأصلية اعتمادا على هذه المخطوطات المتأخرة كتابتها زمنيا. في بعض المواضع تكون التحديدات دقيقة للغاية؛ وفي بعضها الآخر يكون ثمة كثير من الجدال.
في جانب من جوانب البحث في روايات القيامة هناك نزاع بين العلماء حول التالي: يبدو جليا أن الأعداد الاثنتي عشر الأخيرة من إنجيل مرقس ليست أصلية في إنجيل مرقس بل هي أعداد أضافها ناسخ من جيل تال. لقد ختم مرقس إنجيله عند ما نعرفه الآن بالعدد 16 : 8 الذي يُذْكَرُ فيه أن النسوة هربن من القبر ولم يخبرن أحدا بما كن قد رأينه. في تناولي لهذه القضية بالنقاش أتبنى إجماع العلماء حول أن الأعداد 16 : 9 – 21 هي إضافة متأخرة للإنجيل.(12)
إذا غضضنا الطرف عن هذه التفاصيل، ماذا يمكننا قوله عن أخبار قيامة المسيح من الأموات في روايات الأناجيل الأربعة المعترف بها؟ تتفق الأناجيل الأربعة بلا استثناء على أن مريم المجدلية ذهبت إلى القبر ووجدته فارغا وذلك في اليوم الثالث بعد صلب المسيح ودفنه. لكنه فعليا يختلفون في كل تفصيلة من تفاصيل القصة.
فمن ذهب بالفعل إلى القبر؟ هل كانت مريم بمفردها(يوحنا 20 : 1)؟ أم مريم ومريم الأخرى(متَّى 28 : 1) ؟ أم مريم ومريم أم يعقوب ومعهما سالومي(مرقس 16 : 1)؟ أم النسوة اللاتي صاحبن يسوع من الجليل إلى أورشليم- وهن احتمالا مريم المجدلية ويونا ومريم أم يعقوب و«المرأة الأخرى»(لوقا 24 : 1 ؛ انظر في ذلك العدد 22 : 55 )؟ هل كان الحجر بالفعل قد حرك بعيدا عن باب القبر(كما يقول مرقس 16 : 4) أم أن ملاكا حركه بعيدا عن الموضع المذكور أمام أعين النسوة؟ وهل كان ملاكا(متَّى 28 : 5 )؟ أم رجلا شابا(مرقس 16 : 5 )؟ أم رجلين اثنين(لوقا 24 : 4 )؟ أم لم يكن ثمة أحد(كما في رواية يوحنا)؟ وماذا قيل لهن؟ أن يخبرن التلاميذ أن «يذهبوا إلى الجليل» حيث سيقابلهم يسوع(مرقس 16 : 7 )؟ أم أن يتذكروا ما قاله لهم يسوع«حينما كان في الجليل» من أنه كان يجب أن يموت وأن يقوم مرة أخرى من بين الأموات(لوقا 24 : 7 )؟ ثمَّ، هل أخبرت النسوة التلاميذ بما سمعوه ورأوه(متَّى 28 : 8 )، أم لم يخبرن أحدا بشيء(مرقس 16 : 8 )؟ وإذا كن قد أخبرن أحدا ما بشيء، فمن هذا الشخص؟ هل هم التلاميذ الأحد عشر(متىَّ 28 : 8 )؟ أم الأحد عشر ومعهم أناسا آخرين(لوقا 24 : 8) أم كان هذا الشخص هو سمعان بطرس والتلميذ الآخر الذي يحبه يسوع والذي لا يذكر له اسم (يوحنا 20 : 2 )؟ وماذا فعل التلاميذ في المقابل؟ هل لم يحركوا ساكنا لأن يسوع نفسه يظهر لهم في التو(متى 20 : 9)؟ أم لم يصدقوا النسوة لما يبدو على القصة من سيماء«الهذيان»(لوقا 24 : 11)؟ أم هل ذهبوا إلى القبر ليروا بأنفسهم(يوحنا 20 : 3)؟
وتتزايد الأسئلة. بمقدورك أن تقرأ الكتاب أفقيا لكي تعقد بنفسك مقارنة متقاطعة بين الأناجيل عن ما يحدث فيما بعد: لمن يظهر يسوع(إن كان قد ظهر لأحد) ومتى وماذا قال لهم وبماذا ردوا عليه. في كل تفصيلة تجد إنجيلا واحدًا على الأقل يقف وحده في تناقض مع الأناجيل الأخرى.
نقطة واحدة على وجه الخصوص تبدو الروايات فيها مستعصية على التوفيق. في رواية مرقس يطلب من النسوة أن يخبرن التلاميذ أن يذهبوا إلى الجليل لكي يقابلوا يسوع، لكنهن من شدة الخوف لا ينبسن ببنت شفة لأي أحد عن هذا الأمر. في نسخة متى من القصة يقال للتلاميذ أن يذهبوا للجليل لكي يقابلوا يسوع فيفعلوا ما أمروا به في التو. ثم يظهر لهم يسوع ويعطيهم تعليماته الأخيرة. لكن التلاميذ في إنجيل لوقا لا يخبرهم أحد بالذهاب إلى الجليل. بل يقال لهم إن يسوع كان قد تنبأ بقيامته عندما كان في الجليل(أبَّان خدمته العلنية). ومن ثم لا يغادرون على الإطلاق أورشليم تلك المدينة التي تقع في الجانب الجنوبي من إسرائيل،و هي المنطقة التي تختلف تمام الاختلاف عن الجليل الواقعة في شمالها. في يوم القيامة يظهر يسوع لاثنين من تلامذته على «الطريق إلى عمواس»(24 : 13 – 35 )؛ في وقت متأخر من ذلك اليوم نفسه يخبر هذان التلميذان التلاميذ الآخرين بما رأوه وعندها يظهر يسوع لهم جميعا(24 : 36 – 39 )؛ ثم يصطحبهم إلى «بيثاني» الواقعة على مشارف أورشليم ويعطيهم تعاليمه ومن ثم يصعد إلى السماء. في المجلد التالي من إنجيل لوقا، أعني سفر الأعمال، يقال لنا إن يسوع بعد قيامته قد أخبر التلاميذ في الحقيقة وبكل وضوح ألا يغادروا أورشليم(أع 1 : 4 )، بل أمرهم أن يبقوا هناك حتى يتلقوا الروح القدس في يوم عيد الخمسين. وبعد انتهائه من إعطائهم تعليماته، يرتفع يسوع حينها إلى السماء. ويبقى التلاميذ بالفعل في أورشليم حتى يأتيهم الروح القدس(أع 2 ). وهكذا يتبلور التناقض: فلو كان متَّى محقًّا، في أن التلاميذ يذهبون مسرعين إلى الجليل ويرون يسوع يصعد من هناك، فكيف يكون الحق في جانب لوقا في زعمه أن التلاميذ يبقون في أورشليم طوال الوقت، ويرون يسوع يصعد من هناك ويستمرون في بقائهم هناك حتى حلول يوم الخمسين؟
الدكتور بارت إيرمان Bart D.Ehrmam
من كتاب صوت يسوع المحجوب
ترجمة كرم شومان وأعضاء فريق الترجمة بموقع حرَّاس العقيدة