إختلاف مخطوطات العهد الجديد
التاريخ: الأحد 30 أغسطس 2009
الموضوع: - المسيحية



الفصل الثالث
نصوص العهد الجديد : الطبعات،المخطوطات والتناقاضات

الدكتور بارت إيرمان

الممارسات التي كانت تقع في أثناء عملية النسخ حتى هذه اللحظة ينتمي في الأغلب إلى القرن الثالث المسيحي ،عندما كان معظم نساخ النصوص المسيحية من غير المحترفين ،اللذين لم يتلقوا تدريبًا على القيام بهذه الوظيفة بل كانوا ببساطة مسيحيين مثقفين من هذه الطائفة أو تلك،ممن يعرفون القراءة والكتابة ولذلك طُلب إليهم أن يعيدوا كتابة النصوص التي تمتلكها الطائفة في أوقات فراغهم (1) .ولأنهم لم يحصلوا على تدريبٍ عالٍ يؤهلهم للقيام بعمل كهذا ،فقد كانوا أكثر ميلا للوقوع في هذه الأخطاء التي ما كان للمحترفين من النسَّاخ أن يقعوا فيها.




هذا يفسر لماذا كانت النسخ المبكرة من كتابات المسيحيين الأوائل تميل إلى الاختلاف في العادة  من نسخةٍ لأخرى وبالمقارنة مع النسخ المتأخرة أكثر مما تختلف فيه النسخ المتأخرة(ولنقل التي تنتمي إلى العصور الوسطى العليا) من واحدةٍ لأخرى.  في النهاية أصبحت هناك طبقة من النساخ المسيحيين المحترفين تمثل جزءًا من المشهد الفكري المسيحي ،وبظهور هؤلاء النسَّاخ المحترفين ظهرت ممارسات نسخية أكثر انضباطًا ،ارتكبت فيها الأخطاء بشكل أقل من المعتاد.

قبل أن يحدث ذلك،وأثناء القرون الأولى من عمر الكنيسة،كانت النصوص المسيحية يتم نسخها في أي مكان كانت تكتب فيه أو تؤخذ إليه. ولأن النصوص كانت تنسخ محليًّا،فلم يكن من قبيل المفاجأة أن تقوم المدن الأخرى بتطوير أنواع أخرى من التقاليد النصية.

بكلماتٍ أخرى،المخطوطات التي كتبت في روما وجدت فيها الكثير من الأخطاء ذاتها،لأنها كانت في الغالب وثائق "للاستخدام المحلي" ،كتبت من ناسخ لآخر ؛فلم تتأثر كثيرًا بالمخطوطات التي كانت تنسخ في فلسطين؛ وتلك التي نسخت في فلسطين كانت لها خصائصها المميزة،والتي لم تكن من النوع نفسه الموجود في مخطوطات مكان مثل الإسكندرية،في مصر.  فوق ذلك، في القرون المبكرة للكنيسة،كانت لبعض الأماكن نسَّاخ أفضل من التي للأماكن الأخرى.ولقد أصبح العلماء المعاصرون يقرُّون بأن نساخ الإسكندرية – التي كانت مركزًا فكريًأ رئيسيًا في العالم القديم- بشكل خاص كانوا من ذوي الضمائر الحية ،حتى في هذه القرون القديمة،وهناك ،أي في الإسكندرية، ظل شكلٌ شديدُ النقاءِ من نصوص كتابات المسيحيين الأوائل محفوظًا،طوال عشرات السنين،عبر نساخ مسيحيين متفانين و ماهرين نسبيًا.      

النساخ المسيحيين المحترفين

متى بدأت الكنيسة في استخدام النسَّاخ المحترفين لنسخ نصوصها؟  هناك أسباب مقنعة تدفعنا إلى الاعتقاد بأن ذلك قد حدث في وقت ما قريب من بداية القرن الرابع.  فقبل ذلك الحين،كانت المسيحية ديانة صغيرة تعتنقها أقلية داخل الإمبراطورية الرومانية ،كثيرًا ما تعرضت هذه الأقلية للاضطهاد،و للتعذيب أحيانًا. ولكنَّ تغييرًا عنيفًا وقع حينما تحول الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير إلى الإيمان عام 312 ميلاديًا تقريبًا.  فجأة تغير حال المسيحية من كونها ديانة المنبوذين مجتمعيًا ،المعذبين بأيدي الرعاع و سلطات الإمبراطورية على حدٍ سواء ،إلى لاعبٍ رئيسيّ في المشهد الديني في الإمبراطورية.   لم يتوقف التعذيب وفقط بل وانهالت العطايا على الكنيسة من القوة الأعظم في العالم الغربي.  وقد نتج عن ذلك اعتناقات جماعية للمسيحية،كما أصبح أن تكون تابعًا من أتباع المسيح أمرًا شائعًا في عصرٍ زعم فيه الإمبراطور نفسه علانيةً التزامه بالمسيحية. أعداد أكبر وأكبر من الحاصلين على تعليم عالٍ و من المدربين تحولوا إلى المسيحية. وكان من الطبيعيّ أن يكونوا الأشخاص الأكثر أهليةً لنسخ نصوص التقليد المسيحي.هناك أسباب تجعلنا نفترض أن قريبًا من هذه الفترة ظهرت الإسكريبتوريات المسيحية (Christian Scriptoria) في المناطق الحضرية الرئيسية(2). والإسكريبتوريا هي مكان لنسخ المخطوطات يتميز بكون نسَّاخه من المحترفين.  لدينا إشارات عن أماكن النسخ (الإسكريبتيريات) المسيحية التي كانت تعمل قريبًا من بواكير القرن الرابع.  في 331 ميلاديًا كتب الإمبراطور قنسطنطينوس ،الذي كان يريد توفير نسخ من الكتب المقدسة (Bibles ) في الكنائس الرئيسية التي قام ببنائها، أمرًا لأسقف قيصرية ،يوسابيوس (3)،لكي يتولى الإشراف على  كتابة خمسين كتاب مقدس على نفقة الإمبراطور. تعامل يوسابيوس مع هذا الطلب بكل الأبهة والاحترام اللذان يستحقهما ،وعمل على تنفيذه. وكما هو واضح،فإن تنفيذ مثل هذا الأمر الجسام كان يتطلب مواقع للنسخ تتسم بالاحترافية ،ناهيك عن المواد اللازمة لكتابة نسخ باهظة من الكتابات المقدسة المسيحية. نحن الآن بوضوح في عصر آخر قبل هذا بقرن فقط أو قرنين عندما سيكون على الكنائس المحلية أن تطالب ببساطة بأن يقوم واحدًا من أعضائها بجمع وقت فراغ كاف لكتابة نسخة من نص. بدءًا من القرن الرابع ،لذلك،أصبحت نسخًا من الكتاب المقدس تكتب عن طريق المحترفين؛هذا حدَّ بشكل كبير من عدد الأخطاء التي تسللت إلى النص.  في النهاية،بعد أن مرَّت ليس فقط عشرات السنين بل قرون، أصبح نسخ المخطوطات اليونانية يقع على عاتق الرهبان اللذين يعملون في الأديرة،اللذين قضوا أيامهم في نسخ النصوص المقدسة بعناية وبضمير حيّ.  استمر هذا الأمر منذ مطلع العصور الوسطى وعبرها ،وصولا إلى عصر اختراع الطباعة بالحروف المتحركة  في القرن الخامس عشر.الحجم الأكبر من المخطوطات اليونانية المتوفرة في أيدينا كتبت بأقلام هؤلاء النساخ المسيحيين المنتمين إلى القرون الوسطى اللذين عاشوا وعملوا في الشرق (في المناطق الواقعة الآن في تركيا واليونان على سبيل المثال)،المعروف باسم الامبراطورية البيزنطية.  ولهذا السبب، تسمى المخطوطات اليونانية التي يعود تاريخها إلى القرن السابع فما فوق أحيانًا المخطوطات "البيزنطية". و كما أوضحت سابقًا،أي شخص له معرفة بمنهج  مخطوطات العهد الجديد يعلم أن هذه النسخ البيزنطية تميل إلى أن تكون شديدة التشابه من واحدة لأخرى، في حين تختلف النسخ الأقدم بشكل كبير سواء فيما بينها أو مع شكل النص الموجود في هذه النسخ الأحدث. السبب وراء ذلك لابد وأنه واضح الآن: هذا الأمر كان له علاقة بشخصية ناسخ النصوص (النساخ المحترفين) ومكان قيامهم بعملية النسخ(في نطاق محدودة نسبيًا).  على الرغم من ذلك ،من الخطأ الفادح الاعتقاد بأن كون المخطوطات الأحدث متوافقة بشكل كبير بعضها مع بعض ،فإنها تكون لهذا السبب شاهدنا الرئيسي على النص "الأصلي" للعهد الجديد.وذلك لأن الإنسان ينبغي أن يتسائل دائمًا:أين حصل هؤلاء النسَّاخ المنتمين إلى القرون الوسطى على هذه النصوص التي نسخوها بهذه الطريقة الاحترافية؟ لقد حصلوا عليها من نصوص أقدم ،التي هي مع ذلك نسخ من نصوص أقدم،التي هي بدورها نسخٌ من نصوص أخرى أقدم. لذلك، النسخ الأقرب من ناحية الشكل إلى الأصول هي ،ربما وبشكل غير متوقع،نسخ العصور الأقدم الأكثر اختلافا و الأقل اتقانًا،وليس النسخ  الأحدث  التي تتميز بأنها أكثر احترافية وتوافقًا.

الفولجاتا(الشعبية) اللاتينية

ممارسات النساخ التي قمت بتلخيصها تتعلق بشكل مبدئي بالجزء الشرقي من الإمبراطورية الرومانية ،حيث كانت اللغة اليونانية،ومازالت،اللغة الرئيسية.لم يكن على المسيحيين في المناطق التي لا تتحدث باليونانية  من اللذين كانوا يريدون النصوص المسيحية المقدسة بلغتهم المحلية الخاصة ،على الرغم من ذلك،الانتظار طويلا . كانت اللاتينية،بالطبع،لغة الشطر الأكبر من الجزء الغربي من الإمبراطورية؛ أما السوريانية فقد كانت اللغة الرسمية في سوريا؛بينما القبطية هي السائدة في مصر . في كل منطقة من هذه المناطق ، أصبحت كتب العهد الجديد تترجم إلى هذه اللغات الوطنية،ربما في وقت ما في النصف الثاني من القرن الثاني .  ثم بعد ذلك نسخت هذه النصوص ذاتها عبر النسَّاخ في مناطقهم المحلية (4).حملت الترجمات اللاتينية أهمية خاصة لتاريخ النص،لأن عددًا كبيرًا جدًا من المسيحيين الغربيين نظروا إلى هذه اللغة كلغتهم الرئيسية.  إلا أنه سرعان ما ظهرت إشكاليات بخصوص الترجمات اللاتينية للكتاب المقدس،حيث كان ثمَّ عدد كبير جدًا منها وقد كانت هذه الترجمات شديدة الاختلاف  بشكل كبير من واحدة لأخرى. تحولت المشكلة إلى أزمة قريبًا من نهاية القرن الرابع المسيحي عندما منح البابا داماسوس ( Damasus ) جيروم ( Jerome ) العالم الأبرز بين علماء عصره، تفويضًا لوضع ترجمة لاتينية "رسمية" يمكنها أن تلقى قبول المسيحيين المتحدثين باللسان اللاتيني في روما وأي مكان آخر كنص معتمد(an authoritative text). يتحدث جيروم نفسه عن كثرة الترجمات المتوفرة ،وأخذ على نفسه عهدًا بحل هذه المشكلة. وعبر اختياره لواحدة من أفضل الترجمات اللاتينية المتوفرة آنذاك،وبمقارنة نص هذه الترجمة بالمخطوطات اليونانية  الأرفع مقامًا المتوفرة تحت يده، قام جيروم بإنتاج طبعة جديدة من الأناجيل باللغة اللاتينية. ومن المحتمل أنه ،أو واحد من أتباعه، كان مسئولا عن الطبعة الجديدة من كتب العهد الجديد اللاتينية الأخرى(5). هذا الشكل من الكتاب المقدس باللغة اللاتينية-ترجمة جيروم- أصبح يعرف بالكتاب المقدس  "الفولجاتا" (= الشعبية) الخاصة بالعالم المسيحي المتحدث باللاتينية. وقد كانت "الفولجاتا" هي الكتاب المقدس بالنسبة للكنيسة الغربية،وهي ذاتها نسخت وأعيد نسخها مرارًا وتكرارًا. لقد كانت الكتاب الذي كان المسيحيون يقرأونه،والعلماء يدرسونه،واللاهوتيون يستخدمونه طوال قرون حتى الزمن الحاضر.اليوم يبلغ عدد نسخ "الفولجاتا" اللاتينية ضعف ما هو موجود من مخطوطات العهد الجديد اليونانية.

النسخة المطبوعة الأولى من العهد الجديد باللغة اليونانية

كما أشرت، نص العهد الجديد نُسِخ في شكل معياري بكل معنى الكلمة عبر قرون العصور الوسطى،سواء في الشرق(النص البيزنطي) أو في الغرب (الفولجاتا اللاتينية). لقد كان اختراع ماكينة الطباعة  في القرن الخامس عشر الميلادي على يد جوهانس جوتنبرج(1400 – 1468) هو الذي غيَّر كل شئ يتعلق بإعادة إنتاج الكتب بشكل عام  وكتب الكتاب المقدس بشكل خاص. فعبر طباعة الكتب بالحروف المتحركة ،أصبح الإنسان باستطاعته أن يضمن خروج كل صفحة في صورة مماثلة تمامًا لكل صفحة أخرى، من غير وجود اختلاف في صياغة النص من أي نوع كان. لقد ذهبت بلا رجعة تلك الأيام التي  كان النسّاخ ينتجون فيها كل على حدى نسخًا مختلفة من النص ذاته عبر التغييرات غير المقصودة أو تلك المتعمدة. ما أصبح يكتب باستخدام آلة الطباعة يماثل النقش على الحجر .فوق ذلك ،أصبحت الكتب يتم إنتاجها بسرعة أكبر: فلم تعد هذه الكتب في حاجة لأن يتم نسخها على حرف واحد بشكل منفصل.وصارت ،نتيجة لذلك، تنتج بتكلفة أقل. ربما ليس هناك أي شئ أحدث تأثيرًا جذريًا على العالم المعاصر مقارنة بماكينة الطباعة؛ الشئ الأقرب في تأثيره بعد الطباعة (والذي ربما،كمحصلة نهائية،يمتاز عنها بشكل كبير) هو ظهور الكمبيوتر الشخصي.   العمل الرئيسي الأول التي كان له أن يطبع من خلال ماكينة طباعة جوتنبرج كان نسخة رائعة من الكتاب المقدس اللاتيني (الفولجاتا)، الذي استغرقت طباعته الفترة بين العامين 1450 و 1456 (6). في خلال نصف القرن الذي تلى ذلك،حوالي خمسين نسخة من "الفولجاتا" تمت طباعتها في العديد من بيوت الطباعة في أوروبا. وربما يبدو غريبًا أنه لم يكن هناك حافزٌ لطباعة نسخة من العهد الجديد باليونانية خلال هذه السنوات المبكرة من عمر الطباعة. لكن السبب يسهل اكتشافه:إنه السبب الذي أشرنا إليه من قبل بالفعل. لقد كان العلماء في أنحاء أوروبا- بما فيهم علماء الكتاب المقدس- معتادين خلال ألف عام تقريبًا على الاعتقاد بأن ترجمة جيروم الشعبية (الفولجاتا)هي كتاب الكنيسة المقدس(شئ ما يشبه ما تفترضه بعض الكنائس المعاصرة من أن نسخة الملك جيمس هي الكتاب المقدس "الصحيح"). كان الاعتقاد هو أن الكتاب المقدس أمر غريب عن اللاهوت و العلم؛ ففي الغرب اللاتيني كان ينظر إليه كشئ ينتمي إلى المسيحيين اليونان الأرثوذكس،اللذين ينظر إليهم كمنشقين تمردوا على الكنيسة الصحيحة. عدد قليل من العلماء في غرب أوروبا كانوا بالكاد يعرفون القراءة باليونانية. وهكذا، من البداية، لم يجد أحد شعورًا بالحاجة إلى طباعة كتاب مقدس باليونانية. أول عالم غربي واتته فكرة إنتاج نسخة من العهد الجديد باليونانية كان الكاردينال الإسباني المسمى خيمينس دو سيزنيروس(1437 – 1517). تحت قيادته،مجموعة من العلماء،بينهم واحدٌ يسمى دييجو لوبيز دي ستونيكا،أخذوا على عاتقهم طباعة نسخة متعددة المجلدات من الكتاب المقدس. وكانت هذه النسخة متعددة اللغات؛أي أنها أعادت إنتاج الكتاب المقدس بلغات متعددة.وهكذا،طرحوا العهد القديم باللغة العبرية الأصلية، "الفولجاتا"  اللاتينية،والسبعينية اليونانية،جنبًا إلى جنب في أعمدة .(ما كان هؤلاء المحررون يعتقدونه بخصوص أفضلية "الفولجاتا" يمكن أن نراه في تعليقاتهم بخصوص هذا الترتيب في مقدمتهم : فقد شبهوه بالمسيح ــــ متمثلا في "الفولجاتا" ـــ الذي كان مصلوبًا بين مجرمين، اليهود الأشرار ممثلين في النص العبري واليونانيين المنشقين ممثلين في السبعينية.)

طبع هذا العمل في بلدة تدعى "ألكالا" التي تسمى "كومبلوتم" (Complutum) باللاتينية . لهذا السبب ، عرفت نسخة خيمنس باسم الكتاب المقدس الكومبلوتي متعدد اللغات. المجلد الخاص بالعهد الجديد كان أول ما تم طبعه(المجلد رقم 5 ،وتم الانتهاء منه في 1514)؛ كان يضم بين دفتيه النص اليوناني ومعجمًا يونانيًا مصحوبًا بالمقابل اللاتيني. إلا أنه لم يكن هناك نية لنشر هذا المجلد في شكل منفصل ـ فقد نشرت المجلدات الست جميعها معًا(كانت الست مجلدات تضم قاموس وكتاب نحو عبري لتساعد على قراءة المجلدات 1-4)،واستغرق هذا وقتًا كبيرًا. العمل بالكامل تم الانتهاء منه ،بشكل واضح، بحلول 1517؛ لكن وحيث إنه كان منتجًا كاثوليكيًا، كان يلزمهم  تصديق البابا ليو العاشر،قبل أن يخرج إلى الوجود. وقد حصلوا عليه أخيرًا في 1520، ولكن بسبب تعقيدات أخرى ،لم يتم توزيعه قبل 1922، بعد وفاة خيمنس نفسه بخمس سنوات تقريبًا. كما رأينا ،قريبًا من هذه الفترة كان هناك المئات من المخطوطات اليونانية (أي نسخ مكتوبة بخط اليد)تحت يد الكنائس المسيحية والعلماء في الشرق. كيف تسنى لـ"ستونيكا" ومن تابع من المحررين أن يحددوا أي هذه المخطوطات يصلح للاستخدام،وأي هذه المخطوطات كان متوفرًا بالفعل بين أيديهم؟

للأسف ،هذه الأسئلة لم يكن باستطاعة العلماء مطلقًا الإجابة عليها بشكل مؤكد. في إهدائه للعمل ،عبر خيمنس عن امتنانه للبابا ليو العاشر من أجل النسخ اليونانية التي استعارها من "المكتبة الباباوية."  وهكذا فربما أتت المخطوطات هذه الطبعة من ممتلكات الفاتيكان. بعض العلماء بالرغم من ذلك يساورهم الشك في أن المخطوطات المتوفرة محليًا ربما تكون قد استخدمت .  بعد حوالي 250 عامًا من إصدار الكتاب المقدس الكومبلوتي، زار عالم دانماركي يدعى مولدنهوفر "ألكالا" لمعاينة مصادرها الموجودة في المكتبات حتى يجيب على السؤال،لكنه لم يستطع أن يجد مخطوطات للعهد الجديد اليوناني على الإطلاق.  وقد قام ،لارتيابه في أن المكتبة لابد وأنها كانت تحوي في وقت ما بعضًا من هذه المخطوطات،بإجراء أبحاثا دؤوبة حتى أُخبِر أخيرًا من خلال أمين المكتبة بأن المكتبة كانت تحوى بالفعل مخطوطات يونانية قديمة للعهد الجديد،لكنهم بيعوا جميعا في عام 1749 لصانع صواريخ  يدعى "توريو" "كرقوق عديمة الفائدة "(لكن صالحة لصناعة الألعاب النارية).  مؤخرًا حاول العلماء تكذيب هذه الحكاية (7).  إلا أنها على الأقل تظهر أن دراسة مخطوطات العهد الجديد اليونانية ليست شئ يصعب فهمه.

الطبعة الأولى المنشورة من العهد الجديد اليوناني

على الرغم من أن الكتاب المقدس الكومبلوتي متعدد اللغات كان أول نسخة مطبوعة من العهد الجديد اليوناني ،إلا أنه لم يكن أول الطبعات نشرًا.  كما رأينا ، طبعت النسخة الكومبلوتية حوالي 1514 ، لكنها لم تر النور كنسخة منشورة قبل 1522.بين هذين التاريخين قام العالم المقدام والمفكر الإنساني الهولندي "ديسيديريوس إيرازاموس" بكلا من طبع ونشر نسخة من العهد الجديد اليوناني ،حاصلا  من ثمَّ على شرف تحرير ما يعرف بال(editio princes) أي النسخة الأولى المنشورة. كان "إيرازاموس" قد قام بدراسة العهد الجديد،جنبًا إلى جنب مع الكتابات الأخرى العظيمة التي أبدعها القدماء،على فترات متقطعة لسنوات عديدة،ورأى في لحظة ما أهمية إصدار نسخة للطباعة .

إلا أنه سرعان ما اقنعه ناشر يدعى جوهان فروبن بأن يتقدم خطوة إلى الأمام وكان ذلك عندما زار "بازل" في أغسطس 1514 . كان كلا من إيرازاموس وفروبن يعلمان أن الكتاب المقدس الكومبلوتي متعدد اللغات في حيز الإعداد للنشر، ولذلك تعجلا نشر نص يوناني بأسرع ما يمكن ،إلا أن التزامات أخرى منعت "إيرازاموس" من مواصلة مهمته بشكل جاد حتى يوليو من عام 1515. في هذا الوقت ذهب إلى "بازل" بحثًا عن المخطوطات الملائمة التي يمكنه استخدامها كأساسٍ لنصه.  لم يكتشف ثروة عظيمة من المخطوطات ،لكن ما وجده كان ما فيه الكفاية لتنفيذ مهمته. في الأغلب ، اعتمد على حفنة قليلة من مخطوطات القرون الوسطى المتأخرة ،التي قام بوضع علامات عليها كما لو كان يقوم بتحرير نسخة مكتوبة يدويًا استعدادا للطباعة؛ عامل المطبعة أخذ المخطوطات بتلك العلامات عليها  و رتب حروفه مباشرة من خلالهم.  يبدو أن "إيرازموس" اعتمد بشدة على مخطوطة واحدة فقط من القرن الثاني عشر لكتابة الأناجيل وغيرها،وأيضًا مخطوطات من القرن الثاني عشر لكتابة سفر أعمال الرسل و الرسائل – على الرغم من أنه كان قادرًا على الرجوع إلى مخطوطات أخرى عديدة و إدخال تصحيحات اعتمادًا على قراءاتها. من أجل سفر الرؤية كان مضطرًا لاستعارة مخطوطة من صديقه الأديب الألماني  جوهانس رويشلين ؛ للأسف،هذه المخطوطة كان من المستحيل تقريبًا قراءتها في بعض المواضع ، وكانت صفحتها الأخيرة مفقودة،التي حوت الأعداد الستة الأخيرة من السفر.  وفي أثناء عجلته لإنهاء عمله، في هذه المواضع استخدم إيرازموس ببساطة "الفولجاتا" اللاتينية وترجم نصها مرة أخرى إلى اليونانية، ونتيجة لذلك إختلاق بعض القراءات النصية التي ليس لها وجود في أي مخطوطة يونانية حية اليوم. وهذه ،كما سنرى،هي نسخة العهد الجديد التي كان مترجموا نسخة "الملك جيمس" يستخدمونها في الواقع لمدة قرن تقريبًا بعد ذلك. بدأت عملية طباعة نسخة إرازاموس في أكتوبر 1515 وتم الانتهاء منها خلال خمسة أشهر فحسب.تضمنت النسخة  النص اليوناني المجمع على عجل والنسخة المنقحة من "الفولجاتا" اللاتينية، جنبًا إلى جنب مع (في النسخ الثانية و ما تلاها،ضم إرازموس ترجمته اللاتينية الخاصة لنص الكتاب المقدس بدلًا من  "الفولجاتا" ،ما سبب ما هو أكثر من الصدمة لكثيرٍ من علماء اللاهوت في هذا العصر، اللذين لا يزالون يعتبرون أن "الفولجاتا" هي  كتاب الكنيسة المقدس "الحقيقي"). لقد كان كتابًا كبيرًا،حوالي ألف صفحة . ومع ذلك، كما قال "إرازموس" نفسه فيما بعد،لقد كانت "درجة العجلة في نشرها أكبر من درجة تنقيحها" (أو كما قال حرفيًا باللغة اللاتينية: praecipitatum verius quam editum).

من المهم الاعتراف بأن نسخة إرازموس هي النسخة المنشورة الأولى (editio princeps )من العهد الجديد اليوناني ليس ببساطة لأنها تمثل حكاية تاريخية ممتعة، لكن أكثر من ذلك لأن ،باعتبارها تاريخ للنص المتطور،نسخ إرازموس (أصدر خمس نسخ ،كلها تعتمد بشكل أساسي على هذه النسخة الأولى المجمعة بشكل متسرع ) أصبحت الشكل القياسي للنص اليوناني الذي قامت بنشره دور الطباعة في غرب أوروبا لما يزيد عن ثلاثة قرون.

العديد من النسخ اليونانية  تتابعت،وصدرت عبر ناشرين من ذوي الأسماء المعروفة جيدًا لدى العلماء في هذا المجال مثل: استيفانوس(روبرت إشتين)،ثيودور بيزا،وبونافينتشر وأبراهام إلتسفير. كل هذه النصوص،بالرغم من ذلك، اعتمدت إن بشكل كبير أو أقل على نسخ سابقيهم، وكلها تعود إلى نسخة إرازموس،بكل أخطائها، التي اعتمدت على حفنة من المخطوطات(أحيانًا مخطوطتين فقط أو حتى واحدة ـــأو في أجزاء من سفر الرؤية ..ولا حتى مخطوطة واحدة!)التي كانت قد كتبت نسبيًا في أواخر فترة القرون الوسطى. دور الطباعة في الغالب لم تبحث عن المخطوطات التي ربما تكون أقدم وأفضل  لتعتمد نصوصهم عليها. بدلاً من ذلك،قاموا ببساطة بطبع وإعادة طبع النص ذاته،مدخلين فقط تغييرات قليلة للغاية. البعض من هذه النسخ،بالتأكيد،رائع. كمثال،الطبعة الثالثة من نسخة ستيفانوس المنشورة في 1550 جديرة بالذكر باعتبارها النسخة الأولى على الإطلاق التي تحتوي على ملاحظات توثق الاختلافات بين بعض المخطوطات محل البحث؛ طبعته الرابعة(1551) هي على أية حال  الأبرز بين طبعاته، حيث إنها النسخة اليونانية الأولى من العهد الجديد التي قسمت النص إلى أعداد.  قبل ذلك،كان النص يطبع بأجمعه بدون أي إشارة إلى التقسيم حسب الأعداد. هناك نكتة طريفة تتعلق بالكيفية التي قام بها ستيفانوس بعمل هذه النسخة. ذكر ابنه فيما بعد أن استيفانوس كان قد اتخذ قراره بخصوص التقسيم بالأعداد(معظمها مازال باقيًا عندنا في الترجمات الإنجليزية) بينما كان يقوم برحلة على ظهر حصان. بلا شك كان يعني أن والده كان"يعمل على الطريق"ـــــ ما يعني، أنه أدخل أرقام الأعداد أثناء الليالي التي كان يقضيها في الفنادق حيث كان يقيم.  لكن بعد أن قال ابنه بشكل حرفي إن ستيفانوس أدخل هذه التغييرات "وهو على ظهر حصانه"،اقترح بعض المراقبين تهكمًا أنه بالفعل قام بعمله أثناء ترحاله،ولذلك عندما كان حصانه يرتطم بأي مطب بشكل مفاجئ ،كان قلم ستيفانوس يقفز،ما يفسر بعض المواضع الشاذة إلى حدٍ ما التي مازلنا نجدها في ترجماتنا الإنجليزية للعهد الجديد. ما أحاول أن أثبته ،على الرغم من ذلك، هو أن كل النسخ اللاحقة،بما فيها نسخ ستيفانوس،تعود في النهاية إلى النسخة ال" editio princeps " الخاصة بإرازموس ،التي كانت تعتمد على بعض المخطوطات اليونانية الأحدث،وليست بالضرورة موثوق بها،ــــ وهي تلك التي وجدها في "بازل" و المخطوطة التي استعارها من صديقه رويتشلين. ليس هناك سبب للاعتقاد بأن هذه  المخطوطات كانت عالية الجودة بشكل خاص. بل ببساطة كانت تلك المخطوطات هي التي كان بمقدوره الحصول عليها. بالفعل ،كما يبدو ،هذه المخطوطات لم تكن الأفضل من ناحية الجودة:لقد كتبوا،في النهاية، بعد المخطوطات الأصلية بحوالي أحد عشر قرنًا!

كمثال،المخطوطة الرئيسية التي استخدمها "إرازموس" لإخراج الأناجيل كانت تحتوي على قصة المرأة الزانية الموجودة في إنجيل يوحنا و أيضًا الإثنى عشر عددًا الأخيرة من إنجيل مرقس ،وهي الفقرات التي لم تكن في الأصل جزءًا من الأناجيل،كما علمنا في الفصل السابق. لقد كان هناك على الرغم من ذلك فقرة أساسية من الكتاب المقدس لم تكن موجودة  ضمن المخطوطات المصدر التي كانت لدى "إرازموس". وهي تسجيل الأعداد  من رسالة يوحنا الأولى إصحاح 5 والأعداد 7-8 ،التي يطلق عليها العلماء مسمى الـ فاصلة اليوحنّاويّة " Johannine Comma" ،الموجودة في مخطوطات الفولجاتا اللاتينية ولكن ليس في الغالبية الساحقة من المخطوطات اليونانية ،وهي التي كانت الفقرة المفضلة لدى اللاهوتيين المسيحيين لفترة طويلة،حيث إنها الفقرة الوحيدة في الكتاب المقدس بأكمله  التي تشير بوضوح إلى عقيدة الثالوث ،أي ثلاثة أقانيم بطبيعة إلهية، إلا أن الثلاثة جميعًا يشكلون إلهًا واحدًا فحسب . قراءة الفقرة في الفولجاتا كالتالي:

"اللذين يشهدون في السماء هم ثلاثة:الآب، الكلمة، والروح،وهذه الثلاثة هي واحد؛ واللذين يشهدون في الأرض ثلاثة ،الروح،الماء،والدم،وهؤلاء الثلاثة في الواحد."

وهي فقرة غامضة ،لكنها لا لبس في دعمها للتعاليم التقليدية الخاصة بالكنيسة بخصوص "الإله المثلث الأقانيم الذي هو واحد."

في غياب هذه الفقرة، لابد أن نستنبط عقيدة الثالوث من عدد من الفقرات المجمعة للدلالة على أن المسيح هو الله،كما هو الحال بالنسبة للروح والآب،وعلى أن هناك ،على الرغم من ذلك ، إلهًا واحدًا فقط. هذه الفقرة ،على النقيض من الأخرى، تصرح بهذه العقيدة بشكل مباشر وموجز. لكن "إرازموس" لم يجدها في مخطوطاته اليونانية،التي ببساطة تُقرأ بدلا من ذلك كالتالي:

"هناك ثلاثة يشهدون:الروح،الماء،والدم،وهذه الثلاثة هم واحد."

أين ذهب "الآب، والابن،والروح القدس"؟ لم يرد أيّ ذكر لهم في مخطوطة "إرازموس" الرئيسية،أو في أي من المخطوطات الأخرى التي رجع إليها،وهكذا، بصورة طبيعية، لم يذكرهم في نسخته اليونانية الأولى. أكثر من أي شئ آخر،هذا ما أثار غضب اللاهوتيين في عصره،اللذين اتهموا "إيرازموس" بالتلاعب بالنص في محاولة للتخلص من عقيدة التثليث  والحط من فاعليتها،التي هي عقيدة الطبيعة الإلهية الكاملة للمسيح.   بشكل خاص،قام  "ستونيكا" ،أحد المحررين الرئيسيين للكتاب المقدس الكومبلوتي متعدد اللغات،بنشر تجريحه في سمعة "إيرازموس" وأصر على أن يعيد العدد في الطبعات المستقبلية إلى مكانها الصحيح.

وتمضي القصة،ويوافق "إرازموس"ــــ ربما في لحظة ضعف ـــأن يدرج هذا العدد في الطبعة المستقبلية للعهد الجديد باللغة اليونانية على شرطٍ واحدٍ:أن يقدم خصومه مخطوطة يونانية يحتمل أن يوجد بها هذا العدد(وجودها في مخطوطات لاتينية ليس كافيًا). وهكذا ظهرت إلى الوجود مخطوطة يونانية! في الواقع ، ظهرت هذه المخطوطة إلى الوجود بهذه المناسبة. يبدو أن شخصًا ما قام بنسخ نصٍ يونانيٍ يحوي الرسائل ،وعندما وصل إلى هذه الفقرة موضع البحث،قام بترجمة النص اللاتيني إلى اللغة اليونانية ،لتظهر ال" Johannine Comma"  في شكلها المألوف، والمفيد لاهوتيًا. المخطوطة التي قدمت إلى "إرازموس"،بكلمات أخرى ،ترجع إلى القرن السادس عشر،أي تم إنتاجها حسب طلب الزبون. وعلى الرغم من تشككه،إلا أن "إرازموس" كان عند كلمته وضمَّن ال" Johannine Comma" نصَّ نسختِه،وكل طبعاته المتتالية. هذه الطبعات،كما أشرت من قبل،أصبحت الأساس بالنسبة لكل النسخ التي أعيدت نسخها من العهد الجديد اليوناني مرة وأخرى عبر أمثال "ستيفانوس" ،"بيزا"،و"إلزيفيرز". هذه النسخ قدمت شكلا من النص اعتمد عليه في النهاية مترجموا "نسخة الملك جيمس" من الكتاب المقدس. وكذلك الفقرات المألوفة لدى قراء الكتاب المقدس بترجمته الإنجليزيةـــ بدءًا من نسخة الملك جيمس الصادرة 1611 فصاعدًا،حتى النسخ المعاصرة في القرن العشرين ــــ التي ضمت الفقرة الخاصة بالمرأة الزانية،والإثني عشر عددًا الأخيرة من مرقس،و الفاصلة اليوحناوية(Johannine Comma )،على الرغم من أن أيًا من هذه الفقرات ليس له وجود في المخطوطات اليونانية الأقدم والأعلى شأنًا للعهد الجديد. دخلت هذه الفقرات إلى تيار الوعي فقط عبر مصادفة تاريخية ،معتمدةً على المخطوطات التي تصادف فحسب أن كانت في  متناول يد "إرازموس" ، وأخرى صنعت لمساعدته. هذه النسخ اليونانية المتنوعة التي صدرت في القرنين السادس عشر والسابع عشر كانوا شديدي التشابه لكن دور الطباعة تمكنت في النهاية من الزعم أنها النص المقبول عالميًا لدى كل العلماء وقراء العهد الجديد اليوناني ــ كما كانوا بالفعل،حينما لم يكن هناك متنافسون!

الادعاء الأكثر ورودًا على الألسنة نجده في نسخة صدرت عام 1633 عن طريق أبراهام و بونافنتشر الزفير (اللذان هما عمٌّ وابن أخيه)، أخبروا فيه قراءهم ،في كلماتٍ أصبحت منذئذ معروفة لدى العلماء،:"أنتم الآن تملكون النص المقبول لدى الجميع،الذي لم نضمنه أي شئ تعرض للتغيير أو التشويه."(8)

المعنى الوارد في هذا السطر،خاصة هذه الكلمات:"المقبول لدى الجميع،" توفر  لنا الجملة الشائعة " Textus Receptus"( التي يتم اختصارها بالرمز T.R) ،وهو مصطلح يستخدمه علماء النقد النصي للإشارة إلى النص اليوناني الذي يعتمد ،لا على أقدم المخطوطات وأفضلها،وإنما على شكل من النص نشره في الأصل "إرازموس" وسلمه إلى دور الطباعة لما يزيد عن ثلاثة قرون،إلى أن بدء علماء النقد النصي يشددون على أن العهد الجديد اليوناني ينبغي أن ينشأ على أسس علمية تعتمد على أقدم مخطوطاتنا و أفضلها،وليس ببساطة على نسخ أعيد طبعها وفقًا لرغبات الزبون. لقد كان شكل نصي أدنى قيمة من النص المستلم " Textus Receptus" هو الذي كان أساسًا للترجمات الإنجليزية المبكرة ،مثل إنجيل الملك جيمس ،والنسخ الأخرى حتى قرابة نهاية القرن التاسع عشر.

 
مِلّ وشواهده على العهد الجديد اليوناني

كان نص العهد الجديد اليوناني ،إذن،يبدو وكأنه يقف على قدم صلبة حسب قناعات معظم العلماء اللذين استطاعوا أن يستفيدوا من النسخ المطبوعة خلال القرنين السادس عشر و السابع عشر . في النهاية،كل النسخ تقريبًا كانت متماثلة في صياغتها. أحيانًا،على الرغم من ذلك،كرس العلماء أنفسهم لكشف وتوثيق كون المخطوطات اليونانية تختلف عن النص لأنه  طبع بشكل غير رسمي. رأينا أن "ستيفانوس"،في نسخته المطبوعة في 1550 م ،ضمَّنها هوامش تحدد مواضع الاختلاف بين مخطوطات عديدة كان قد اطلع عليها(أربعة عشر مخطوطة إجمالا). إلى حدٍ ما فيما بعد، في القرن السابع عشر،نشرت نسخ عبر علماء إنجليز مثل "بريان والتون" و "جون فِلّ" تعاملوا فيها مع الاختلافات في المخطوطات المحفوظة (والمتاحة) بشكل أكثر جدية.  لكنَّ أحدًا تقريبًا لم يعترف بضخامة مشكلة الاختلاف النصي حتى العام 1707 وهو عام  صدور واحدة من كلاسيكيات مجال النقد النصي للعهد الجديد،وهو الكتاب الذي كان له تأثيرٌ وخيمٌ على دراسة نقل(transmission) العهد الجديد اليوناني ،فاتحًا كل السدود التي أجبرت العلماء على التعامل مع مشكلة النصية لمخطوطاتنا للعهد الجديد بشكل أكثر جدية (9) . إنها نسخة العهد الجديد اليوناني التي أصدرها "جون ملّ"،الحاصل على درجة الزمالة من الكلية الملكية ،بجامعة أكسفورد. استثمر "ملّ" ثلاثين عامًا من العمل الدؤوب في تجميع المادة العلمية اللازمة لنسخته. النص الذي قام بطباعته هو ببساطة نسخة "ستيفانوس" الصادرة في عام 1550 م ؛الشئ المُهمّ في نسخة "ملّ " لم يكن النص الذي استخدمه، بل القراءات التي تختلف عن نصه هذا التي ذكرها في هوامشه النقدية. كان لـ"مِلّ" القدرة على الوصول إلى حوالي مائة مخطوطة يونانية من مخطوطات العهد الجديد. أضف إلى ذلك، أنه قام بفحص كتابات آباء الكنيسة الأوائل بعناية ليرى الكيفية التي كانوا يستشهدون بها بالنص – مفترضًا أن الإنسان يمكنه أن يعيد بناء المخطوطات المتاحة لهؤلاء الآباء عن طريق فحص اقتباساتهم. فوق ذلك، على الرغم من أنه لم يكن يعرف الكثير من اللغات القديم الأخرى بخلاف اللاتينية،فإنه قد استخدم نسخة نشرت قبل ذلك عن طريق "والتون " ليرى المواضع التي تختلف فيها النسخ الأقدم المكتوبة  بلغات مثل السوريانية والقبطية عن تلك المكتوبة باليونانية.

على أساس هذه الجهود المكثفة التي استمرت ثلاثين عامًا بهدف تجميع المخطوطات،نشر "مِلّ" نصه المصحوب بالشواهد،التي أشار فيها إلى مواضع الاختلاف بين المخطوطات الحية الموجودة في حوذته. نظرًا للصدمة و الفزع اللذين يشعر بهما كثير من قرائه،فرزت شواهد "مِلّ" قريبًا من ثلاثين ألف موضع من الاختلافات بين المخطوطات الموجودة،ثلاثون ألف موضع كانت المخطوطات المختلفة،و القراءات الآبائية(نسبة إلى آباء الكنيسة)،والنسخ لها قراءات مختلفة للفقرات الواردة في العهد الجديد.

لم يكن "مِلّ" متعمقًا في تقديمه للبيانات التي جمعها. لقد وجد،في الواقع،أكثر بكثير من ثلاثين ألف موضع من الاختلافات. لم يذكر كل ما اكتشفه.،فقد تجاهل اختلافات مثل تلك التي تتعلق بتغيير ترتيب الكلمات. مع ذلك، كانت المواضع التي ذكرها كافية لدفع جمهور القراء بعيدًا عن القبول بالواقع اعتمادًا على كثرة طباعة النص المستلم (Textus Receptus) والافتراض الأبله بأنه داخل النص المستلم يملك المرء العهد الجديد اليوناني"الأصلي". الآن دخلت مكانة النص الأصلي في حيز النزاع من أوسع الأبواب. لو لم يكن المرء يعلم أي الكلمات تنتمي بالفعل للعهد الجديد اليوناني،فكيف سيكون بمقدوره أن يستخدم هذه الكلمات في تقرير العقيدة والتعاليم المسيحية الصحيحة؟


النزاع الذي أحدثته شواهد "مِلّ

تأثير كتاب "ملّ" أصبح ملموسًا بشكل سريع،على الرغم من أنه لم يعش ليشهد بنفسه مآل النزاع. لقد مات، ضحية لسكتة قلبية،بعد نشر مؤلفه الضخم بأسبوعين فقط. موته المفاجئ(قال أحد المراقبون أنه حدث نتيجة "تناول كمية كبيرة للغاية من القهوة"!) لم يمنع خصومه،على الرغم من ذلك، من مواصلة النزاع. الهجوم الأكثر قسوة حدث بعد ذلك بثلاث سنوات في مجلد علمي كتبه أحد المناظرين البارعين وكان يسمى "دانيال ويتبي"،الذي نشر في عام 1710 مجموعة من الملاحظات على تفسير العهد الجديد ،أضاف إليها ملحقًا من مائة صفحة فحص فيه بشكل أكثر تفصيلا الاختلافات التي ذكرها "مِلّ" في ثنايا شواهده. كان "ويتبي" عالم لاهوت بروتستانتي محافظ وكانت رؤيته الأساسية تتلخص في أنه على الرغم من أن الرب بالتأكيد لم يحُل دون تسلل الأخطاء إلى النسخ التي أعدها النسَّاخ من العهد الجديد،إلا أنه في الوقت ذاته لم يسمح على الإطلاق بفساد النص (أي تحريفه) إلى الحد الذي يكفي لمنعه (أي الكتاب المقدس)من إنجاز هدفه وغرضه المقدس. ولذا نجده ينتحب قائلا،"أشعر بالحزن والغيظ من أنني وجدت الكثير في مقدمة "مِلّ" النقدية مما يبدو بوضوح تام أنه يضع أساس الإيمان في دائرة عدم الموثوقية،أو على أحسن تقدير يعطي الآخرين الحُجة للارتياب."(10)

ويستمر"ويتبي" فيفترض أن العلماء الرومان الكاثوليك ـ اللذين يطلق عليهم لقب"الباباويين"ـ  سيشعرون بسعادة بالغة بسبب قدرتهم على إظهار أن الكتاب المقدس ،اعتمادًا على الأسس غير الموثوقة للنص اليوناني للعهد الجديد، لم يكن مرجعًا كافيًا للإيمان ــ ما يعني أن مرجعية الكنيسة بدلا من ذلك هي الأعلى مكانة. كما نجده يصرح:"يجادل "مورينوس"(وهوعالم كاثوليكي)حول فساد النص اليوناني الذي يجعل سلطانه موضع شك بسبب اختلاف القراءات الموجودة في العهد الجديد اليوناني الخاص بـ"ر.ستيفنس" (=ستيفانوس)؛ فما حجم  النصر إذن اللذي سيحققه الباباويّون على النص ذاته عندما سيَرَوْن الاختلافات التي ذكرها "مِلّ" بعد عمل مضنٍ استمر ثلاثين عامًا والتي تزيد عن الموجود الآن بأربعة أضعاف؟"(11)

تابع "ويتبي" جداله حول أن نص العهد الجديد ،في الواقع،هو نص موثوق،حيث نادرًا ما تتناول أيٌ من الاختلافات التي ذكرها "مِلّ" مسألة عقائدية أو قضية سلوكية، والغالبية العظمى من اختلافات "مٍِلّ" ليس لها أي صلة بقضية الموثوقية.

ربما كان "ويتبي" يقصد أن يبلغ رده تأثيره من دون أن يقرأه أحد في الواقع؛فهو رد يتكون من مائة صفحة منمقة،كثيفة،وغير جذابة من الجدال المتشابه،ومن ثمّ فهو يحاول أن يبني قضيته ببساطة على ضخامة رده.  دفاع "ويتبي" ربما كان سينهي الجدل حول هذه القضية بشكل أفضل لو لم يظهر هؤلاء اللذين استخدموا المواضع الثلاثين ألفًا التي استخرجها "مِلّ" لكي يصلوا بها إلى النهاية التي كان "ويتبي" يخشاها،ألا وهي الجدال حول أن نص الكتاب المقدس لا يمكن الوثوق بها لأنه بحد ذاته غير موثوق به. تزعَّم هؤلاء اللذين جادلوا حول هذه القضية "أنتوني كولينز" وهو إنجليزي ديسطيقي ***** وكان صديقًا وتابعًا ل"جون لوك"الذي كتب في عام 1713 كتيبًا بعنوان "مقالة حول التفكير الحر". هذا الكتيب كان نموذجًا للأفكار الديسطيقية في بواكير القرن الثامن عشر: حيث كان يدعوا إلى تقديم المنطق والدليل على الوحي(الموجود في الكتاب المقدس كمثال) والمعجزات المتوهمة.في الفصل الثاني من الكتاب الذي يتناول "القضايا الدينية" يذكر "كولينز"،في وسط الآلاف من الأمور الأخرى،أن رجال الدين المسيحيين ("مِلّ" كمثال) كانوا ولا يزالون"يملكون الدليل ويبذلون الجهد لإثبات أن نص الكتاب المقدس غير موثوق به،" مشيرًا من ثمّ إلى اختلافات "مِلّ" الثلاثين ألفًا.

كتيب "كولينز"،الذي قُرئ على نطاق واسع وكان شديد التأثير،أثار  عددًا من الردود الصارمة،كثير منها كان يتسم بالغباء ويتطلب جهدًا لفهمه،وبعضها ينم عن مستوى علمي رفيع ومثير للاستياء. كانت محصلته الأبرز، ربما، أنها استقطبت إلى حلبة الصراع واحدًا من ذوي السمعة الدولية الهائلة من العلماء ،عميد ترينيتي كوليج بجامعة كامبردج  "ريتشارد بنتلي".  اكتسب "بنتلي" شهرته من اشتغاله بأعمال المؤلفين الكلاسيكيين من أمثال هوميروس،هوراس،و تيرينس.  في رده على كل من "ويتبي" و"كولينز"،الذي صدر تحت عنوان " pseudonym Phileleutherus Lipsiensis" الذي يعني شئ ما مثل "مُحِبُّ الحرية  من "ليبزج" "ــ في إشارة واضحة إلى دعوة "كولينز" إلى "التفكير الحر")، أوضح "بنتلي" أن القراءات المختلفة التي أحصاها "مِلّ" لا يمكن أن تجعل أساس الإيمان البروتستانتي موضع شك ،حيث إن هذه القراءات كانت موجودة حتى قبل أن يلاحظها "مِلّ" . فهو لم يخترعها اختراعًا و لكنه فقط لفت الأنظار إليها!

لو كان لنا أن نصدق ليس هذا المؤلف الحكيم (كولينز) فحسب ،ولكن أيضًا أستاذكم الحاصل على درجة الدكتوراه  الأكثر حكمة  (ويتبي)، فإنه (أي مِلّ)كان شاغله كل هذا الوقت أن يثبت أن نص الكتاب المقدس مشكوك في أصالته...فعلاما كل هذا الصريخ والشجب من أستاذكم" ويتبي"؟جهود الدكتور ،يقول هو، تجعل كامل نص الكتاب المقدس موضع ريبة و يضر بكلا من الحركة الإصلاحية لمصلحة "الباباويين"و الدين ذاته لمصلحة الملحدين... لا سمح الله ! سنظل نأمل فيما هو أفضل. بالتأكيد هذه القراءات المتباينة كانت موجودة من قبل في العديد من النماذج؛ إن الدكتور "مِلّ" لم يصنعهم صنعًا ولم يبتكرهم ابتكارا ، ما قام به هو أن أبرزهم  فحسب أمام أعيننا. ولذلك لو كان الدين صحيحًا قبل ذلك ، على الرغم من وجود مثل هذه القراءات المتباينة: فإنه ما يزال صحيحًا وبالتالي  موثوقًا ، على الرغم معرفة كل شخص بها (أي القراءت المتباينة). بناءا على ذلك ، ليس هناك حقيقة ، أو  مسألة معروضة عرضًا غير متحيزٍ ،يمكن أن تؤثر على الإطلاق على دين الحق (12)

  "بنتلي" ، كونه خبيرًا في التقاليد النصية للكتابات الكلاسكية، يواصل لفت الانتباه إلى أن الإنسان يمكن أن يتوقع أن يجد عددًا وفيرًا من القراءات النصية المتباينة كلما يتم اكتشاف عددٍ كبيرٍ من المخطوطات. لو كان هناك مخطوطة واحدة لعمل من الأعمال ، فحينئذٍ لن تجد قراءات نصية متباينة. فإذا وجدت مخطوطة ثانية ،على الرغم من ذلك ،ستختلف عن الأولى في عددٍ من المواضع . وعلى الرغم من ذلك ، فهذا ليس بالأمر السيء لأن عددًا من هذه القراءات المتباينة سيبين أين احتفظت المخطوطة الأولى بالخطأ. أضف مخطوطة ثالثة وستجد قراءات متباينة إضافية،بل أيضًا مواضع جديدة ،في المحصلة،حُفِظ فيها النص الأصلي(أي في المكان الذي تتفق فيه المخطوطتان الأوليان في خطأ ما). وهكذا دواليك ـــكلما تكتشف مخطوطات جديدة ، كلما تتزايد القراءات المتباينة؛ لكن أيضًا المزيد من التشابهات التي في مكان ما بين هذه القراءات المتعددة يمكن للمرء أن يكتشف النص الأصلي. لذلك، الثلاثين ألف قراءة الكتباينة التي كشف عنها "مِلّ" لا تطعن في سلامة العهد الجديد؛ فهذه القراءات تقدم ببساطة البيانات التي يحتاجها العلماء للعمل على إنشاء النص ،الذي هو النص الأكثر موثوقية من أي نص آخر كتب في العالم القديم.  كما سنرى في الفصل القادم ، هذا الجدال الدائر حول كتاب "مِلّ" دفع في النهاية "بنتلي" ليحول قدراته العقلية غير العادية إلى مشكلة تأسيس النص الأقدم المتوفر من العهد الجديد. قبل الانتقال إلى هذا البحث فربما ينبغي علينا ،على الرغم من ذلك ، أن نعود خطوة إلى الوراء لكي نتأمل مكاننا اليوم بالمقارنة مع اكتشاف "مِلّ" الرائع فيما يخص الثلاثين ألف قراءة المتباينة الموجودة في التقليد المخطوط للعهد الجديد .

موقفنا في الوقت الحاضر

على الرغم من أن "مل" علِمَ وقام بفحص حوالي مائة مخطوطة يونانية ليكشف الاختلافات الثلاثين ألفًا التي أعلنها، فإن ما نعرفه اليوم أكثر من ذلك ،بل أكثر من ذلك  بكثير. في آخر إحصاء ،تم الكشف عن أكثر من خمسة آلاف وسبعمائة  مخطوطة يونانية و فهرستها.  وهذا يمثل من ناحية العدد سبعة وخمسين ضعفًا مما علم "ملّ" عنه في عام 1707 . هذه الخمسة آلاف وسبعمائة تشمل كل شئ بدءًا من أصغر كِسَر من المخطوطات – أي في حجم بطاقة الائتمان – إلى الأعمال شديدة الضخامة و العظم، المحفوظة بكاملها .   بعضها يشمل كتابًا واحدًا فقط من العهد الجديد ؛والبعض الآخر يشمل مجموعة صغيرة  (كمثال الأناجيل الأربعة و رسائل بولس ) ؛ والقليل للغاية منها يشمل العهد الجديد بكامله (13) . هناك ،أيضًا ، كثير من مخطوطات النسخ ( = ترجمات العهد الجديد) المبكرة المتعددة. هذه المخطوطات يمتد تاريخها بين بدايات القرن الثاني ( كسرة صغيرة تسمى  P52،والتي تضم عددًا من الأعداد من يوحنا 18) وصولا إلى القرن السادس عشر (14) . هذه المخطوطات تتفاوت بشكل كبير من ناحية الحجم :فبعضها يمثل نسخًا صغيرة في حجم كف اليد ، مثل النسخة القبطية من إنجيل متى ،التي تسمى (Scheide Codex) ، والتي يبلغ حجمها 4x5 بوصة ؛والبعض الآخر نسخٌ كبيرة للغاية ومثيرة للإعجاب ، من بينهم المخطوطة السينائية سابقة الذكر ، التي يبلغ حجمها 15 x 13.5 بوصة ،والتي أثارت الإعجاب عند الكشف عنها كاملة . البعض من هذه المخطوطات كان من مواد رخيصة ، وتم نسخه على عجل ؛فبعضها كان قد تم نسخه بالفعل فوق صفحات مستعملة (أي  أنها وثيقة تم محوها وكتب نص العهد الجديد على قمة الصفحات الممحاة)؛ بينما البعض الآخر كان نسخًا أنفق عليها بسخاء و غالية الثمن،من ضمنها بعض المخطوطات التي كتبت على رق أرجواني اللون بحبر فضيّ أو ذهبيّ . كالعادة ، يتحدث العلماء عن أربعة أنواع من المخطوطات اليونانية (15) .

1- الأقدم وهي المخطوطات المكتوبة على أوراق البردي ،مكتوب على مواد مصنوعة من قصب البردي ، وهي مخطوطات قيمة لكنها غالية الثمن ومادة كتابة فعالة في العالم القديم ؛ يؤرخ لها بين القرنين الثاني والسابع .

2- المخطوطات الماجوسكول (= المكتوبة بالحروف الكبيرة ) وهي مصنوعة من البرشمان (= جلود الحيوانات ؛أحيانًا يطلق عليها الرق) ثم أطلق عليها الحروف الكبيرة ، وهي تشبه إلى حد ما الحروف الكابيتال المعروفة لدينا؛ وتؤرخ هذه المخطوطات ،في أغلب الأحيان ،من القرن الرابع إلى التاسع.

3-  المخطوطات المينوسكول (= ذات الحروف الصغيرة )وهي مصنوعة أيضًا من البرشمان لكنها كتبت بحروف صغيرة كثيرا ما يتم وصلها (من غير أن يغادر القلم الصفحة) إلى ما يشبه المقابل اليوناني لحروف الرقعة (التي تكون الحروف فيها متشابكة )؛وهذه يؤرخ لها بدءًا من القرن التاسع فصاعدًا

4- الفصول وهي عادة ما تكتب بالحروف الصغيرة من ناحية الشكل ، لكنها بدلا من أن تضم كتب العهد الجديد ، تضم في شكل منتظم ، "قراءات " مأخوذة من العهد الجديد لاستخدامها في الكنيسة كل أسبوع أوفي كل عطلة (مثل الفصول التي تستخدم في الكنائس اليوم ).

بالإضافة إلى هذه المخطوطات اليونانية ، نعلم بوجود عشرة آلاف مخطوطة للفولجاتا اللاتينية ،ناهيك عن مخطوطات النسخ الأخرى ، مثل الترجمة السريانية ، والقبطية ، الأرمينية ، والجورجية القديمة ،ومخطوطات الكنيسة السلافية ...إلى آخره ( تذكر أن "مِلّ" كان لديه إمكانية الاطلاع على فقط القليل من النسخ القديمة ، وهذه كان يعرفها فقط عن طريق ترجماتها اللاتينية).

  بالإضافة إلى ذلك ، لدينا كتابات آباء الكنيسة مثل "كليمنت السكندري"، "أوريجانوس" و "أثاناسيوس" من بين الآباء اليونانيين و "ترتليانوس"، "جيروم" ،و "أوجستين" من بين الآباء اللاتينيين – كلهم اقتبس من نصوص العهد الجديد في مواضع ،مما جعل إعادة بناء ما كانت عليه مخطوطاتهم (التي هي مفقودة حاليًا،في الغالب) أمرًا ممكنًا.

في وجود هذه الوفرة من الأدلة ،ماذا يمكننا أن نقول عن العدد الإجمالي للقراءات المتباينة المعروفة في وقتنا الحاضر ؟

يختلف العلماء بشكل كبير في أحكامهم – البعض يقول إن هناك 200.000 قراءة متباينة تم التعرف عليها ،البعض الآخر يقول 300.000 ، البعض يقول 400.000 أو أكثر ! نحن لا نعلم على وجه اليقين عددها لأنه ،على الرغم من التطورات المدهشة التي حدثت في مجال تكنولوجيا الكمبيوتر ،لا أحد إلى الآن قادرٌ على عدّهم جميعًا . ربما ، كما أشرت من قبل ،من الأفضل ببساطة أن نضع المسألة في صورة مقارنات. إن عدد القراءات المتباينة بين مخطوطاتنا  يفوق عدد الكلمات الموجودة في العهد الجديد.

أنواع الاختلافات الموجودة في مخطوطاتنا

لو كان لدينا مشكلة في الحديث حول أعداد التغييرات الموجودة  حتى الآن ،فماذا يمكننا أن نقول بخصوص خلفيات هذه التغييرات الموجودة في هذه المخطوطات؟ يفرق العلماء اليوم بشكل عام بين التغييرات التي يبدو أنها وقعت بشكل غير المقصود عبر أخطاء النساخ وتلك التي تقع بشكل متعمد ، عبر شئ من سبق الإصرار . هذه ليست تحديدات قاطعة وعجلى ،بالطبع ، لكنها تبدو حتى الآن سليمة: فالإنسان يمكنه مشاهدة كيف أن ناسخًا من النساخ يمكن أن يغفل عن طريق السهو كلمة عند كتابته نصًا (تغيير عرضي) ،لكن من الصعب مشاهدة كيف أمكن للأعداد الإثنى عشرة الأخيرة من إنجيل مرقس أن تضاف إلى الإنجيل بخطأِ في الكتابة .

 وهكذا ، ربما يجدر بنا أن ننهي هذا الفصل بأمثلة قليلة لكل نوع من هذه التغييرات. سأبدأها بالإشارة إلى بعض أنواع القراءات المتباينة التي تقع بشكل "عرضيّ".

تغييرات عرضية

أخطاء الأقلام العرضية(16) كانت بلا شك تزداد تفاقمًا ،كما رأينا ، بسبب حقيقة أن المخطوطات اليونانية كانت جميعها مكتوبة بالخط المتصل (scriptuo continua) ـ بلا علامات ترقيم ،في الغالب، وبلا حتى مسافات فاصلة بين الكلمات. هذا يعني أن الكلمات التي بدت متشابهةً كثيرًا ما كانت تؤدي لإساءة الفهم بين واحدة وأخرى.  كمثال ، في 1كور 5: 8 ، يخبر بولس قراءه أنهم ينبغي أن يتناولوا المسيح ،حمل الفصح ، وأن لا يأكلوا "الخَمِيرَةٍ العَتِيقَةٍ ، خَمِيرَةِ الْخُبْثِ وَ الشَّرِّ." الكلمة الأخيرة ،الشر، تقابلها باليونانية بونيراس PONERAS ،التي تشبه كثيرًا كلمة بورنياس PORNEIAS المقابلة ل" الفجور الجنسي".  الفرق في المعنى ربما ليس كبيرًا، لكن من المدهش أنه في مخطوطتين من المخطوطات الموجودة ، يحذر بولس بكل وضوح وصراحة ليس من الشر بشكل عام ، ولكن من الرذيلة الجنسية خصوصًا. هذا الشكل من الأخطاء الإملائية كان يحدث على الأرجح بسبب حقيقة أن النساخ أحيانًا يختصرون كلمات معينة اختصارًا للوقت والمساحة. الكلمة اليونانية المقابلة للحرف "و"،كمثال، هي KAI ،التي كان بعض النساخ ببساطة يكتبون بدلا منها الحرف الأول K ، مع وضع علامة تحتانية في النهاية للإشارة إلى أنها اختصار . على نحوٍ مماثلٍ ،في 1 كور 12 : 13 ، يشير بولس إلى أن كل إنسان في المسيح قد " تم تعميده إلى جسدٍ واحد " وأنهم جميعًا "سقوا من روحٍ واحدةٍ."

الكلمة "روح" (PNEUMA) كانت قد تمَّ اختصارها في معظم المخطوطات إلى (PMA)، التي من المتوقع  أنها ستفهم خطئًا ،وقد فهمت بالفعل، من خلال بعض النُسَّاخ باعتبارها المقابل اليوناني  للكلمة "شراب"(POMA) ؛ وهكذا ففي هذه الشواهد قيل إن بولس يشير إلى أن الجميع "شربوا من شراب واحد."  نوع شائع من الأخطاء في المخطوطات اليونانية حدث حينما كان سطران من النص المنسوخ ينتهي بالحروف نفسها أو بالكلمات نفسها.

ربما كان ناسخ من النساخ يكتب السطر الأول من نص ما ، وبعد ذلك عندما ترجع عينه إلى الصفحة ،فلربما سيلاحظ  الكلمات ذاتها موجودةً في السطر التالي ،بدلا من السطر الذي كان للتوّ ينسخه؛ عندها سيواصل النسخ من هناك و ،نتيجة لذلك، سيهمل الكلمات و/أو السطور الواقعة بينهما . هذا النوع من الأخطاء يطلق عليه ال (periblepsis ) أي (قفزة عين) الواقعة نتيجة للـ (homoeoteleuton) أي (النهايات المتشابهة).

مما أعلمه لتلامذتي أنهم يستطيعون الادعاء بحصولهم على تعليم جامعي بمجرد أن يستطيعوا الحديث بذكاء حول (قفزة العين التي تتسبب فيها النهايات المتشابهة).

يمكننا شرح كيفية حدوث ذلك عبر التمثيل بنص إنجيل لوقا 12: 8-9 الذي يُقْرَأ كالتالي :

8 الذي يعترف بي أمام البشر ، ابن الإنسان

سيعترف به أمام ملائكة الله

9 لكن من ينكرني أمام البشر

سينكره أمام ملائكة الله

مخطوطتنا الأقدم المصنوعة من  البردي لهذه الفقرة تخلو من العدد 9 بالكامل ؛ وليس من الصعوبة بمكان أن نرى كيف وقع الخطأ. الناسخ قام بنسخ الكلمات "أمام ملائكة الله" في العدد 8 ، وعندما ارتدت عينه إلى الصفحة ،لاحظت عينه الكلمات ذاتها في العدد 9 و افترض أنها هي ذاتها الكلمات التي قام للتوّ بنسخها ـ وهكذا واصل نسخ العدد 10، تاركًا العدد 9 بالكامل .

أحيانًا يكون هذا النوع من الأخطاء أكثر كارثية بشكل مريع بالنسبة لمعنى النص. في إنجيل يوحنا 17 :15 ،على سبيل المثال، يقول يسوع في صلاته إلى الرب عن تلامذته:

لا أطلب منك أن تحفظهم من ال

عالم ، لكن أن تحفظهم من ال

شرير.

في واحدة من أفضل مخطوطاتنا (المخطوطة الفاتيكانية من القرن الرابع)،مع ذلك، الكلمات " عالم. . .من ال" نجدها  محذوفة ، لكي يصبح يسوع الآن يتفوه بهذه الصلاة المشئومة " لا أطلب منك أن تحفظهم من الشرير"!

في بعض الأحيان كانت الأخطاء العرضية تقع ليس بسبب أن الكلمات كانت تبدو متشابهة ،لكن لأن نطقهم يبدو متشابهًا.

  من الممكن أن يحدث هذا ،على سبيل المثال ، عندما كان أحد النساخ يقوم بنسخ نص عبر الإملاء ـ عندما سيكون أحد النساخ  يقرأ من إحدى المخطوطات و ناسخ آخر أو عدد أكبر من النساخ الآخرين سيقومون بنسخ الكلمات إلى مخطوطة جديدة،كما كان يحدث أحيانًأ في السكريبتوريات بعد القرن الرابع . لو كانت كلمتان ينطقان بالطريقة ذاتها ، فإن الناسخ الذي يضطلع بمهمة النسخ ربما عن طريق السهو يستخدم الكلمة الخاطئة في نسخته ،خاصةً إذا كان المعنى يبدو جيدًا للغاية (رغم الخطأ). هذا ما يبدو أنه قد حدث ،على سبيل المثال، في سفر الرؤيا 1 :5 ، حيث يصلي المؤلف إلى "الواحد الذي حررنا من خطايانا."

فالكلمة المقابلة ل" حرر" هي (LUSANTI) يتطابق نطقها تماما مع الكلمة المقابلة ل" طهَّرَ" (LOUSANTI)، وهكذا فلن يكون أمرًا مفاجئا  أن يصلي المؤلف في عدد من مخطوطات التي ترجع إلى العصور الوسطى إلى الواحد "الذي طهرنا من خطايانا."

مثال آخر وقع في رسالة بولس إلى أهل رومية ، حينما يصرح بولس بأنه" منذ أن تبررنا بالإيمان ، حصلنا على السلام مع الرب" (روم. 5: 1). أم هل هذا هو ما قاله؟ الجملة التي تعني " حصلنا على السلام،" في الحقيقة ،تُنطق تماما مثلما تُنطق الجملة "اجعلنا نحصل على السلام," التي هي نوع من الحثّ. وهكذا في عدد كبير من المخطوطات، بما في ذلك البعض من أقدم المخطوطات الموجودة في حوذتنا،لم يكن بولس على يقين من أنه وأتباعه وصلوا إلى السلام مع الله ،فهو يحث نفسه والآخرين على أن يسعوا إلى السلام. هذه فقرة من أجلها لاقى علماء النقد النصيّ مشقة في تقرير أي القراءات هي الصحيحة (17). في حالات أخرى يوجد ما هو أقل التباسا ، لأن التغيير الحادث في النص ،في حين أنه غير مفهوم ،ينتج نصًا غير مفهوم كبديل عن النص المفهوم . وهذا يحدث كثيرا ،وكثيرا ما كان للأسباب ذاتها التي كنا نناقشها.

على سبيل المثال ،في يوحنا 5 :39 ، يخبر يسوع خصومه أن "يفتشوا الكتب . . . لأنها تشهد لي." في أحد المخطوطات القديمة ،الفعل الأخير تم تبديله بفعل يشبه من ناحية النطق لكنه لا يعطي معنى مفهومًا في سياقه. في تلك المخطوطة يقول يسوع " فتشوا الكتب . . . لأنها تتجنّى عليّ"!

   مثال آخر يأتي من سفر الرؤيا ،حيث يرى النبي رؤيا عن عرش الله وحوله يوجد "َقَوْسُ قُزَحَ شِبْهُ الزُّمُرُّدِ" (4 :3). في بعض مخطوطاتنا الأكثر قدمًا هناك اختلاف، شديد الغرابة كما سيبدو ، يقال لنا فيه أن "شيوخًا يشبهون الزمرد "حول العرش!

ربما أكثر الأخطاء غرابة في مخطوطاتنا من بين كل الآلاف من الأخطاء غير المقصودة هو ذلك الخطأ الذي يقع في واحدة من المخطوطات المينوسكول (ذات الأحرف الصغيرة) للأناجيل الأربعة  التي تحمل رقم 109 رسميًا ، والتي كتبت في القرن الرابع(18) . خطأها الفريد من نوعه يقع في لوقا ،الإصحاح 3 ،في حساب سلسلة نسب يسوع .من الواضح أن النساخ كان ينسخ مخطوطة تضع سلسلة النسب في عمودين.

لبعض الأسباب ،لم يقم بنسخ عمودا في المرة الواحدة بشكل منفصل ، لكنه نسخ عبر العمودين. كنتيجة لذلك ،الأسماء الواردة في سلسلة النسب أصبحت غير متوافقة ، حيث معظم الأبناء دعوا إلى آباء غير آبائهم بطريق الخطأ. لا يزال هناك ما هو أسوأ ،العمود الثاني من النص الذي كان الناسخ يقوم بنسخه لا يشتمل على الكثير من سلاسل النسب التي يحتويها الأول ، لنصل الآن ، في النسخة التي قام بنسخها ، إلى أن أبا الجنس البشري (أي الاسم الأخير المذكور) ليس هو الله وإنما أحد الإسرائيليون الذي يدعى فارص (Phares)؛ والله ذاته عده أنه ابن أحد البشر يدعى آرام !

التغييرات العمدية

­­­­من بعض الوجوه ، التغييرات التي قد رأيناها يسهل تحديدها والتخلص منها أكثر من غيرها عند محاولة إيجاد الشكل الأقدم من النص. التغييرات العمدية يميل تحديدها إلى أن يكون أكثر صعوبة بعض الشئ. تحديدًا لأنها حدثت (بوضوح) مع سبق الإصرار والترصد، كما أن هذه التغييرات تميل إلى أن تعطي معنى مفهوما. وحيث إنها تعطي معنى مفهوما ، فسيكون هناك دائما نقّادا يجادلون حول أن هذه التغييرات تعطي المعنى الأفضل ـ الذي هو، أنها هي القراءة الأصلية. هذا ليس نزاعًا بين العلماء الذين يعتقدون أن النص قد تعرض للتحريف وبين هؤلاء الذين يعتقدون غير ذلك. الجميع يعلمون أن النص قد تم التلاعب به ؛ وإنما المسألة هي فقط أي قراءة هي التي تمثل التحريف وأيها التي تمثل الشكل الأقدم الذي يمكن الحصول عليه من النص. وهنا يتنازع العلماء أحيانا.

في عدد كبير من الحالات ـ أغلبها ،في الواقع ـ يتفق العلماء على وجه العموم. ربما من المفيد لنا في هذه اللحظة أن نعتبر مجموعة كبيرة من أنواع التغييرات العمدية التي يجدها الواحد بين مخطوطاتنا باعتبارها تلك التغييرات التي سترينا الأسباب التي دفعت النسّاخ إلى اقتراف التحريف. في بعض الأحيان قام النساخ بتغيير النصوص الموجودة بين أيديهم لأنهم كانوا يظنون أن النص يحتوي على خطأ يتعلق بحقيقة. هذا يبدو كذلك عند بداية إنجيل مرقس تماما، حيث يقدم المؤلف لإنجيله بقوله " كما هو مكتوب في إشعياء النبي ، ها انا ارسل امام وجهك ملاكي . . . اصنعوا سبله مستقيمة." المشكلة هي أن بداية الاقتباس ليس من إشعياء على الإطلاق بل يمثل توليفة من فقرة مأخوذة من الخروج 23 : 20 و آخر مأخوذ من ملاخي 3 : 1 . اعترف النسّاخ بأن هذا يمثل مشكلة ولذلك غيروا النص ، جاعلينه يقول " كما هو مكتوب في الأنبياء..." الآن ليس هناك مشكلة تتعلق بخطأ في عزو الاقتباس . لكن من الممكن أن يكون هناك قليل من الشكوك حول ما كتبه مرقس في الحقيقة: نسبة الاقتباس إلى إشعياء مثبت في أقدم وأفضل المخطوطات الموجودة لدينا.

في بعض الأحيان يكون "الخطأ " الذي يحاول أحد النسّاخ تصحيحه ليس متعلقًا بحقائق ،وإنما تفسيريًّا. هناك مثال شهير مأخوذ من إنجيل متى 24 :36 ، حيث يتنبأ يسوع بنهاية الزمان و يقول "  وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ وَلاَ مَلاَئِكَةُ السَّمَاوَاتِ ولا حتى الابن إِلاَّ الآب وَحْدَهُ. "

وجد النسّاخ معضلة في هذه الفقرة: ابن الله ، يسوع ذاته ، لا يعلم متى ستأتي النهاية ؟ كيف ذلك ؟ أليس هو كلِّيّ المعرفة ؟ لحل هذه المشكلة ،بكل بساطة قام بعض النساخ بتعديل النص عبر حذف الكلمات " ولا حتَّى الابن."   والآن ربما الملائكة تكون جاهلة أما ابن الله فكلا (19).

في بعض الحالات الأخرى غير النسّاخ نصًا لا بسبب أنهم ظنوا أنه يحوي خطئًا وإنما لأنهم أرادوا أن يتحاشوا أن يفهم النص بشكل خاطئ .  متى 17 : 12 – 13  هو المثال ،الذي يصرح فيه يسوع بأن يوحنا المعمدان هو ذاته إيليّا ، النبي المزمع أن يأتي قبل نهاية الأيام :

"أقول لكم إن إيليا قد جاء ، ولم يتعرفوا عليه ،بل فعلوا ضده  أكثر ما كانوا يتمنون . هكذا أيضًا ابن الإنسان سوف يتألم منهم." حينئذ أدرك تلامذته أنه كان يتحدث إليهم عن يوحنا المعمدان.

المشكلة الكامنة هي كالتالي ، وفقًا لما يقوله النص، النص يمكن تفسيره لكي يعني ليس أن يوحنا المعمدان كان هو إيليّا ، بل على أنه هو ابن الإنسان . يعلم النسّاخ تمام المعرفة أن هذا ليس هو المعنى الصحيح ، ولذلك قام البعض منهم بتحوير النص " حينئذ أدرك تلامذته أنه كان يتحدث إليهم عن يوحنا المعمدان" جاعلينه يقع قبل الكلام عن ابن الإنسان §.

في بعض الأحيان قام النسّاخ بتغيير النص الموجود بين أيديهم  لأسباب لاهوتية شديدة الوضوح ، لكي يتأكدوا من أن النص لن يستخدم من قبل "المهرطقين" أو لكي يتأكدوا من أنها تقول ما يفترِضُ (النسَّاخ )أنها تعنيه بالفعل.

هناك العديد من الحالات من هذا النوع من التحريف ، سنبحثها بشكل أكثر تفصيلا في فصل من الفصول القادمة. أما الآن فسأشير ببساطة إلى اثنين من الأمثلة المختصرة .

في القرن الثاني كان يوجد مسيحيون يؤمنون بشدة بأن الخلاص الذي أتى به المسيح كان شيئا جديدا تماما ، أرفع شأنًا من أي شئ شهده العالم على الإطلاق وأرفع شأنًا بالطبع من الديانة اليهودية التي كانت المسيحية قد انبثقت منها . بعض المسيحيين ذهبوا أبعد من ذلك إلى الإصرار على أن اليهودية ،ديانة اليهود القديمة ، قد نسخت تماما بظهور المسيح. بالنسبة لبعض النسَّاخ  الذين كانوا يعتنقون هذه العقيدة ،المثل الذي حكاه المسيح عن الخمر الجديدة والزقاق العتيقة ربما بدت منطوية على مشكلات.

بَلْ يَجْعَلُونَ خَمْراً جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ جَدِيدَةٍ فَتُحْفَظُ جَمِيعاً.

وَلَيْسَ أَحَدٌ إِذَا شَرِبَ الْعَتِيقَ يُرِيدُ لِلْوَقْتِ الْجَدِيدَ لأَنَّهُ يَقُولُ: الْعَتِيقُ أَطْيَبُ».

 (لوقا 5 : 38-39 )

كيف يمكن ليسوع أن يشير إلى أن العتيقة أفضل من الجديدة ؟ أليس الخلاص الذي أتى به أسمى قدرًا من أي شئ قدمته اليهودية ( أو أي ديانة أخرى )؟ النسّاخ الذين وجدوا في هذه المقولة أمرًا مربِكًا  تخلصوا من الجملة الأخيرة  بكل بساطة ، لكي لا يقول يسوع الآن أي شئ بخصوص تلك العتيقة التي هي أفضل من الجديدة.

في بعض الأحيان قام النسّاخ بتحريف النصوص التي لديهم للاطمئنان بأن إحدى العقائد المفضلة قد تعزَّزت على نحوٍ واف.

على سبيل المثال ، نجد هذا في فقرة الخاصة بسلسلة نسب يسوع في إنجيل متى ، التي تبدأ بأب اليهود ،إبراهيم ، وتتعقب سلسلة نسب يسوع من الأب إلى الابن عبر السلسلة وصولا إلى "يعقوب، الذي كان أبًا ليوسف ،رجل مريم ، الذي منه ولد يسوع ، المدعو مسيحًا" (متى 1 : 16 ). كما هو واضح ، سلسلة النسب تتعامل بالفعل مع المسيح كحالة استثنائية حيث لم تدعُه "ابنا" ليوسف . لم يكن هذا كافيًا ،مع ذلك ، بالنسبة لبعض النسّاخ ، ولذلك غيروا النص لكي يُقرأ كالتالي: " يعقوب ، الذي كان أبًا ليوسف ، الذي كانت العذراء مريم مخطوبة له ،أنجبت يسوع ،المسمى المسيح ." الآن يوسف لا يدعى حتى زوجًا لمريم ، بل خطيبها فحسب ، وبوضوح تم التصريح بكونها عذراء ــ الأمر الذي يمثل نقطة مهمة للكثير من النسّاخ المبكرين!

في بعض الأحيان كان النسَّاخ يقومون بتعديل نصوصهم ليس لأسباب لاهوتية وإنما لأسباب طقوسية (liturgical) . بما أن التقاليد الزهدية في المسيحية الأولى كانت تقوى في بواكير المسيحية ، فاكتشاف التأثير الكبير لذلك على التغييرات التي أحدثها النسّاخ داخل النصوص ليس أمرًا مفاجئًا . على سبيل المثال، في مرقس 9 ، حينما يقوم يسوع بطرد الروح الشريرة التي عجز تلامذته على طردها ،نجده يخبرهم «هَذَا الْجِنْسُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ بِشَيْءٍ إلاَّ بِالصَّلاَةِ " (مرقس 9 : 29 ). فيما بعد أدخل النسّاخ الإضافة المناسبة ، بسبب طريقتهم الخاصة في العبادة ، لكي يشير يسوع الآن إلى أن " هَذَا الْجِنْسُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ بِشَيْءٍ إلاَّ بِالصَّلاَةِ والصوم."

أحد أفضل التغييرات التي حدثت للنص لأسباب طقوسيّة نجده في رواية لوقا الخاصة لصلاة السيد . فالصلاة موجودة أيضًا في إنجيل متّى ،بالطبع ، وشكل الصلاة المتّاوي الأكثر طولا كان ،ولا يزال ،الأكثر شهرة عند المسيحيين(20) .عند المقارنة ، تبدو الرواية الخاصة بلوقا مبتورة بشكل غير مرغوب.

" أيها الآب ، ليتقدس اسمك . ليأت ملكوتك. إعطنا خبزنا اليومي كل يوم . واغفر لنا خطايانا ، لأننا نغفر لكل من يذنب إلينا . ولا تدخلنا في تجربة . (لوقا 11 : 2- 4)

قام النسّاخ بحل المشكلة الخاصة برواية لوقا المختصرة من خلال إضافة الاسترحامات المعروفة من الفقرة الموازية في متى 6 : 9- 13 ، لكي تصير الآن مقرؤة،كما في متى، كالتالي:

أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ.

خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا كُلَّ يَوْمٍ

وَاغْفِرْ لَنَا خَطَايَانَا لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضاً نَغْفِرُ لِكُلِّ مَنْ يُذْنِبُ إِلَيْنَا وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ».

هذا الميل لدى النسّاخ إلى "التوفيق" بين الفقرات في الأناجيل موجود في كل مكان في الإنجيل. فمتى حكيت القصة ذاتها في الأناجيل المختلفة ، فعلى الأرجح  قام  هذا الناسخ أو ذاك بالتأكد من أن القصص متوافقة بشكل تام ، حاذفًا الفروقات بجرة قلم.

     في بعض الأحيان لم يكن النسّاخ تحت تأثير الفقرات الموازية بل التقاليد الشفوية  المتداولة حينذاك حول يسوع والقصص المروية عنه . رأينا بالفعل مثل هذا بصورة مكبرة في قضية المرأة الزانية والاثنا عشرة عددا الأخيرة في إنجيل مرقس. في حالات أقل أيضًا، يمكننا أن نرى كيف ألقت التقاليد الشفوية بظلالها على نصوص الأناجيل المكتوبة . أحد الأمثلة الواضحة هي القصة المشهورة في يوحنا 5 عن شفاء يسوع لأحد المرضى في بركة بيت حسدا.

قيل لنا في أول القصة إن عدد الأشخاص ــ المرضى ،العمي ،العرج ،المشلولين ــ المضجعين  بجانب هذه البركة ، وأن يسوع اختار أحدهم ، الذي كان يأتي إلى هذا المكان طوال ثمانية وثلاثين عامًا ،للعلاج.

عندما سأل الرجل إذا كان يرغب في أن يشفى ، أجاب الرجل بأنه ليس هناك من يستطيع أن يضعه في البركة ،فعندما "يتحرك الماء" دائما ما يسبقه أحدهم إليها .

في أقدم وأفضل مخطوطاتنا ليس هناك تفسير يوضح السبب الذي من أجله يريد الرجل أن يدخل إلى الماء بمجرد اضطراب الماء، لكن التقليد الشفوي يسد النقص في الإضافة  للعددين 3-4 الموجودة في كثير من مخطوطاتنا الأحدث.

فهناك يقال لنا إن " ملاكا كان ينزل أحيانًا إلى البركة و يحرك الماء ؛ وأول من ينزل بعد حركة المياه يشفى ." (21)  وهي لمسة رائعة لقصة مسليّة بالفعل .

الخاتمة

يمكننا أن نواصل الحديث إلى الأبد تقريبًا حول مواضع معينة تم تغيير نصوص العهد الجديد فيها ،سواء بشكل عفويّ أو بصورة متعمدة .وكما أشرت من قبل ، الأمثلة ليست فقط  بالمئات  ولكن بالآلاف . الأمثلة  التي قدمتها كافية  لنقل الفكرة العامة  ،مع ذلك : هناك الكثير من الاختلافات  بين مخطوطاتنا ، اختلافات اختلقها النسّاخ الذين أعادوا إنتاج نصوصهم المقدسة . في القرون الأولى للمسيحية ، كان النسّاخ من الهواة ومن على هذه الشاكلة فهو أكثر ميلا إلى تحريف النصوص  التي ينسخونها ـ أو أكثر ميلا لتحريفها عن طريق الخطأ ـــ من هؤلاء الذين صاروا هم النسّاخ في الفترات الزمنية الأحدث الذين ،بداية من القرن الرابع ، بدءوا يكونون من المحترفين .

من المهم أن نرى أنواع التغييرات ، سواء العرضية أو العمدية ،التي كانت قابلة للحدوث عبر النسّاخ ، لأنه حينذاك سيكون من السهل أن نحدد التغييرات ويمكننا أن نتخلص من بعض الأعمال القائمة على التخمين  المستخدمة في تحديد أي شكل من النص يعتبر تحريفًا وأيها يمثل شكل النص الأقدم . من المهم أيضًا أن نرى كيف ابتدع العلماء المعاصرين المناهج اللازمة للقيام بهذا النوع من التحديد. في الفصل التالي سنتتبع بعضًا من تلك القصة ،التي تبدأ من عصر "جون مِلّ" وصولا إلى الوقت الحاضر ، لنرى المناهج التي تطورت بغية إعادة بناء نص العهد الجديد  وللتعرف على  الطرق التي  تم تغييره من خلالها خلال عملية النقل .

من كتاب تحريف أقوال يسوع Misquoting Jesus

  Bart D.Ehrmam الدكتور بارت إيرمان   

الفصول التالية

الفصل الأول   جذور الكتاب المقدس - الفصل الثاني  نساخ الكتب المقدسة -  الفصل الرابع  البحث عن أصول الكتاب المقدس

الفصل الخامس  مناهج النقد النصي - الفصل السادس  التحريف لدوافع لاهوتية  - الفصل السابع  التحريف لأسباب اجتماعية  - الخاتمة
--------------------------------------------

(1) للاطلاع على تعريفي للناسخ المحترف انظر الهامش رقم في الفصل 2 .
(2)  للاطلاع على وجهة النظر التي تقول بعدم وجود دليل على وجود الإسكريبتوريات في القرون المبكرة ، انظر كتاب "حراس الحروف" لهاينز أيتسن ،83 -91 .
(3) يعرف يوسابيوس على نطاق واسع اليوم بأنه أبو التأريخ الكنسي ،بناءا على روايته للثلاثمائة عامًا الأولى من تاريخ الكنيسة
(4) للاطلاع على المزيد عن هذه  " النسخ " (أي الترجمات) المبكرة للعهد الجديد ، انظر "نص العهد الجديد" لكل من ميتزجر و إرمان ،الفصل الثاني ، القسم 2.
(5)  حول النسخ اللاتينية من العهد الجديد ، بما في ذلك مؤلف جيروم ، انظر "نص العهد الجديد" لميتزجر وإرمان ، chap. 2, ii.2.
(6)  للاطلاع على المعلومات حول ذلك بشكل أكثر تفصيلا ، وحول الطبعات التي نوقشت في الصفحات التالية ، انظر ميتزجر و إرمان "نص العهد الجديد" ، الفصل 3.
(7)  انظر،بشكل خاص ، الوصف المعرفي في كتاب " قصة النص المطبوع للعهد الجديد اليوناني " لصمويل ب. تريجيلز(London: Samuel Bagster & Sons, 1854)، 3- 11.
(8) النص اللاتيني يُقرأ كالتالي :
"textum ergo habes, nunc ab omnibus receptum: in quo nihil immutatum aut corruptum damus."

(9)  انظر كتاب ميتزجر و إرمان ، نص العهد الجديد، الفصل 3 ، القسم 2.
(10)  تأكيد ويتبي. اقتبس في كتاب آدم فوكس ، جون مل وآدم بنتلي :دراسة النقد النصي للعهد الجديد، 1675 – 1729 (أكسفورد :بلاكويل،1954) ، 106 .
(11)  فوكس ، مل وبنتلي ، 106 .
***** يؤمن بوجود إله لا يتدخل في تسير الكون كما  لا يؤمن بوجود ظاهرة الوحي .(المترجم)
(12)  كتاب "ملاحظات  حول حوار التفكير الحر  الأخير، الطبعة ال7  (لندن :و.ثوربورن ، 1737)، 93 – 94.
(13)  صديقي مايكل هولمز أشار على بأنه من بين الآلاف السبع من نسخ الكتاب المقدس اليوناني (العهد الجديد اليوناني والعهد القديم اليوناني)، أقل من عشر ، حسب معرفتنا ،كانت تحوي الكتاب المقدس بالكامل ، العهدين الجديد والقديم كليهما . هذه العشر هي الآن نافصة (فاقدة صفحات هناك أو هناك )؛ وأربع منهم فقط  يرجع تاريخه إلى القرن العاشر .
(14) المخطوطات – التي هي نسخ مكتوبة بخط اليد – استمرت كتابتها بعد اختراع الطباعة ، تماما مثلما يواصل بعض الناس إلى الآن استخدام الآلة الكاتبة ، على الرغم من وجود معالجات الكلمات .
(15)  سوف نرى أن الأنواع الأربعة للمخطوطات لام يتم تقسيمهم في مجموعات وفقًا للمبادئ ذاتها . فأوراق البردي مكتوبة بالأحرف الكبيرة ، تماما مثلما هو الحال مع المخطوطات الموجيسكول ، ولكن على سطح صالح للكتابة مختلف ؛ فالمينوسكول يكتب على النوع ذاته من السطح الصالح للكتابة الذي يكتب عليه الماجوسكول (البرشمان) ولكن بنوع مختلف من الخطوط .
(16)  للاطلاع على أمثلة إضافية للتغييرات العرضية غير المقصودة ،انظر كتاب ميتزجر وإرمان ،نص العهد الجديد، الفصل 7 ،القسم 1 .
(17)  هؤلاء الذين لديهم الاهتمام بمشاهدة كيف يتناقش  العلماء جيئة وذهابا  بخصوص أفضلية إحدى القراءات عن الأخرى ينبغي عليهم الرجوع إلى ميتزجر وكتابه ، التفسير النصي .
(18) أدين بهذا المثال ، مع العديد من الأمثلة السابقة ، لبروس م. ميتزجر . انظر كتاب "نص العهد الجديد" لميتزجر و إرمان ، ص 259 .
(19) للاطلاع على المزيد من النقاش حول هذه القراءة المتباينة ، انظر الصفحتين 203 ، 204 .
§ أي أصبح الكلام في النص كالتالي  "أقول لكم إن إيليا قد جاء ، ولم يتعرفوا عليه ،بل فعلوا ضده  أكثر ما كانوا يتمنون . ." حينئذ أدرك تلامذته أنه كان يتحدث إليهم عن يوحنا المعمدان. هكذا أيضًا ابن الإنسان سوف يتألم منهم"
(20) للاطلاع على تفاصيل أكبر حول القراءات المتباينة لصلاة السيد ، انظر باركر ، النص الحي للكتابات المقدسة (Living Text of the Gospels) ، 49 – 74 .
(21) هناك عدد من القراءات النصية المتباينة بين الشواهد التي  تؤكد هذا الشكل المطول من الفقرة

 
كرم شومان وأعضاء فريق الترجمة بموقع  حرَّاس العقيدة







أتى هذا المقال من برهانكم للرد على شبهات النصارى
http://www.burhanukum.com

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.burhanukum.com/article919.html