لقد كان العامة من الفلاحين وفقراء أهل المدن يظنون أنفسهم أصفياء الرب لأنهم الفقراء . وكان هذا المظهر الديني العاطفي هو الذي ميز حركة الفقراء في غرب أوروبا وموقفهم تجاه دعوة البابا ، بيد أن هذا التدين العاطفي نفسه كان سببا من أسباب ارتكابهم لأحط ضروب الجراثم ، كما كشفا عن أبشع الشرور الدنيوية والأطماع المادية حتى بمقاييس تلك العصور التي اتسمت بالقسوة والغلظة . ذلك أن الفقراء في الغرب الكاثوليكي كانوا يخلطون بين التدين العاطفي المتعصب وحقائق حياتهم التعسة في ظل المجتمع الإقطاعي.
لقد كانت استجابة الناس من أنعاء الطبقة الدنيا في غرب أوروبا سريعة وحماسية ، وسرعان ما تكونت حركة شعبية ارتبطت باسم بطرس الناسك . لقد طلب البابا من الأساقفة أن يواصلوا الدعوة إلى الحملة الصليبية ، ولكن تأثيرهم كان ضئيلا إذا قيس بتأثير المبشرين والدعاة الفقراء الذين تشبهوا يالحواريين في فقرهم . وكان هناك عدد من هؤلاء الدعاة الحفاة أيرزهم رويرت الأردريسيليي (Robert d' Arbrissel) وبطرس الناسك .
كان بطرس الناسك هذا راهبا في أميان ، وهجر الدير بتكليف من البابا لكي يقوم بالدعوة إلى الحملة الصليبية . وفي شمال شرق فرنسا واللورين أمضى شتاء سنة 1095/1096 م يتجول من مكان لآخر داعيا إلى حملة البابا . وفي كل مكان كان يذهب إليه يسحر ألباب الفقراء بفصاحتة التي تناقض هيئته المزرية ، إذ كان رث الثياب ، بينه وبين حماره شبه عجيب .
وحينما حل كان الفقراء المأخوذون ببطرس الناسك يتسابقون لنزع شعرات من جسد الحمار المسكين وذيله ، طلبا للبركة . لقد أخذ يطرس الناسك يقوم بدور الواعظ الجوال مثل كثير من غيره في ذلك الوقت الذي ميزه التدين الشعبي العاطفي. وقد كان الرجل محور أسطورة أعتبرها المؤرخون حقيقة تاريخية ، كما ألهمت الفنانين والأدباء على مدى عدة أجيال . وقد نسبت الأسطورة إلى بطرس فضل إثارة الغرب الأوروبي لشن حربه الصليبية ضد الشرق العربي الإسلامي.
وإذا كانت الدراسات التاريخية منذ منتصف القرن التاسع عشر قد كشفت زيف أسطورة بطرس الناسك بفضل بعوث هذريخ فون سيبل سنة (1841م) فإن بطرس الناسك لا يزال يحظى باهتمام المؤرخين باعتباره تجسيدا للحماسة الدينية الشعبية من ناحية ، وبسبب تناقض تصرفاته مع المثال الذي بشر به ودعا إليه . إذ إن بطرس ، الذي يعتبره بعض المؤرخين الفرنسين نبي الحركة الصليبية ، قد هرب أثناء معاناة الصليبيين في حصار إنطاكية سنة 1098 م ، وقبض عليه وأعيد إلى المعسكر الصليبي بصورة مهينة .
وعلى أي حال ، فإن الفلاحين لم يصبروا حتى يرحلوا في الموعد الذي حدده البابا لرحيل الفرسان ، فمع تباشير ربيع سنة 1096 م كانوا قد جمعوا محاصيلهم ، ولكنهم لم يخزنوها تحسبا لشتاء قد يجوعون فيه ، كما جرت عادتهم طوال سنوات وسنوات . لقد حملوا هذه المحاصيل فوق عرباتهم الثقيلة التي تجرها الثيران ، ومعها الزوجات والأطفال والمتاع الهزيل . وفي النهاية تحرك موكب الفلاحين صوب الشرق . . . مطلع الشمسى ومهبط المسيح .
كانت جماعات العامة والفلاحين التي تجمعت حول بطرس الناسك أكبر من أن تستطيع أي مدينة أو قرية في غرب أوروبا أن تعولها ومن ثم تكونت من هذه الأعداد الغفيرة فرق وجيوش بائسة ، بقيادة واحد من الفرسان المفامرين أو المشعوذين ، في فوضى تبعث على الرثاء. وكانت أول فرقة من حملات الفلاحين ، أو حملات العامة ، هي تلك التي قادها فارس شرس نبيل المولد من بلدية بواسي (Poissy) هو والتر المفلس (Walter Sansavior) الذي لم يكن في جيشه سوى ثمانية فرسان حسبما يذكر ألبرت الآيكسى وقد سخرالألمان من والتر المفلس وأتباعه الذين باعوا أملاكهم لكى يذهبوا في رحلة حمقاء، وقالوا إنهم بادلوا ما هو مضمون بما هو غير أكيد، وأنهم تركوا مسقط رأسهم ووطنهم في سبيل أرض ترتبط بوعد مشكوك فيه ولكن الألمان عندما رأوا جموع أتباع والتر المفلسى تعبر أراضيهم في طريقها إلى حوض نهر الراين أو البلقان ، غيروا من رأيهم وكفوا عن السخرية ، وأخذوا ينضمون إلى المشروع الصليبى . ولم تواجه هذه الحملة سوى متاعب قليلة في نهاية رحلتها عبر المجر ،ولكن أعمال النهب والسلب ، التي بدأ أتباع والتر المفلس يمارسونها فى بلغاريا، جعلت البلغار يهاجمونهم ويقتلون منهم عددا كبيرا على حين لاذ الناجون بالغابات عدة أيام حتى وصلوا في النهاية تحت أسوار العاصمة البيزنطية ، القسطنطينية . وهناك أمرالإمبراطور بأن يعسكروا خارج المدينة انتظارا لوصول جيش بطرس الناسك . وهكذا ، انتهت رحلة الألفا ومائتي ميل بالنسبة لأتباع والتر المفلس. في ذلك الوقت كان بطرس قد أعد نفسه للرحيل وتحت قيادته جيش من المشاة والفرسان ترافقهم أعداد أكبر من غير المحاربين ، رجالا ونساء وأطفالا . وغادر هذا الجيش الأراضي الألمانية في 25أبريل سنة1096 م . وسمح له ملك المجر بعبور بلاده بشرط ألا يثير المتاعب .
وفي المجر تولى بطرس قيادة جيش الفقراء . وكان المشهد مثيرا . .. إذ كان بطرس في مقدمة الجيش يمتطي حماره الذي يشبه، وخلفه الفرسان يعتلون صهوات جيادهم ، تتبعهم العربات الثقيلة التي تجرها الثيران حاملة معها المؤن والأموال التي كان بطرس قد جمعها من أثرياء الغرب الأوروبي. بيد أن بطرس الذي كان قادرأ على تحريك مشاعر الجماهير وإثارتها لم يكن يصلح لقيادة جيش عجيب مثل جيشه الذي تألف من المقاتلين والطامعين ، والذي ضم مئات من الأفاقين ، والمجرمين ، وبنات الهوى، والفلاحين ، والققراء من أهل المدن ، فضلا عن عدد صغير من الفرسان .
فعند مدينة سملين عند حدود المجر مع الإمبراطورية البزنطية كشف جيش الرب عن وجهه القبيح ، وجرت على سملين وأهلها مذبحة رهيية ،أزهقت أرواح أربعة آلاف من أبناء المدينة التي تحولت إلى خرائب تصاعد منها دخان الحرائق التي أشعلها الفرنج في كل مكان لتختلط بأصوات الجرحى عنوانا على الجريمة التي ارتكبها جنود الرب ضد الأخوة المسيحيين الذين زعم الصليبيون أنهم جاءوا لنجدتهم . واذ خاف بطرس من انتقام المجريين ، فقد اختبأ مع جيشه داخل غابات المجر، ثم تجمع جيشه مرة أخرى عندما وصلوا الحدود البيزنطية . وخاف نيكيتاس قائد الحامية البيزنطينية في مدينة نيش (Nish) الحدودية على مدينته من تصرفات هذه الجموع الخرقاء، فاتخذ بعض الاحتياطات لمواجهتهم عند الضرورة ... ولم يغيب الصليبيون ظنه : فقد أحرقوا مساكن القرويين مع سكانها الأحياء في داخلها،ونهبوا وسلبوا .وهاجم البيزنطينيون جيش بطرس الناسك فقتلوا الكثيرين من رجاله ، وأسروا عددا آخر، كما استولوا على الأموال والتبرعات التي كان ذلك الراهب قد جمعها من أغنياء غرب أوروبا . وبعد أيام ثلاثة من التشتت والاختباء عاودت شراذم جيش بطرس التجمع وسارت صوب مدينة صوفيا ، وهناك لقيهم مندوبون عن الإمبراطور البيزنطي أليكسيومسى كومنينومسى وأبلغوهم باستياء الإمبراطور، وأبلغوهم بأوامره التي تقضي بألا يمكث الصليبيون في أي مدينة بيزنطية أكثرمن ثلاثة أيام .
ثم وصلت الشراذم الباقية من حملة بطرس الناسك إلى أسوار القسطنطينية في مطلع شهر أغسطس 1096م . ودعي ذلك الناسك العجيب لمقابلة الإمبراطور البيزنطي وربما تأرجحت على شفتي الإمبراطور ابتسامة سخرية ورثاء وهو يرى ذلك الرجل أمامه على حين كان يتوقع مقابلة قاثد عسكري. أدرك الإمبراطور أن هذه الجموع الهائجة الجائعة لن تصمد أمام المسلمين الذين طالما أذاقوا جيوشه المدربة المنظمة مرارة الهزيمة ، ونصح الإمبراطور الصليبيين بأن ينتظروا حتى قدوم جيوش الأمراء، بيد أن بطرس غرته كثرة أتباعه ، فقبل من الإمبراطور الهدايا التي أعطاها إياه ، ورفض النصاثح التي أسداها إليه . وفي الوقت نفسه أخذ الصليبيون يعيثون فسادا في مدينة القسطنطينية التي بهرتهم بجمالها ، ونهبوا وأحرقوا وسرقوا ، ووجد الإمبراطور نفسه مضطرا لأن ينقلهم بسرعة عبر المضايق إلى آسيا الصغرى. وهناك تصرف اجنود الرب على نحو لا يرضى عنه الرب ، فارتكبوا أبشع المذابح ضد السكان المسيحيين . وبسبب الطمع والفوضى وقع الصليبيون في شباك كمين أعده الأتراك السلاجقة وأجهزوا على الحملة الشعبية ، وقتل والتر المفلس ، على حين تمكن بطرس الناسك من النحاة بنفسه والهرب إلى القسطنطينية وهكذا انتهت مسيرة الفقراء فوق تراب الشرق العربي الذي داعب خيالهم ، وحرك فيهم مشاعر الطمع على مدى ألفي وماثتي ميل.
كتبه / د. قاسم عبده قاسم