إذا أردنا أن نطلع على نص يوحنا 7: 8 من نسخة العهد الجديد اليوناني الإصدار الرابع المُراجع[12] سنجده كالآتي (ἐγὼ οὐκ ἀναβαίνω εἰς τὴν ἑορτὴν ταύτην) وهذا يعني أن الـلجنة وضعت قراءة (οὐκ - لا) التي تجعل يسوع كذابًا في نص نسختها , ولو نظرنا إلى أسفل الصفحة عند الهامش سنجد تفصيل الشواهدِ لكل قراءة, ولكنَّ المثير للشَّكِّ هو أن الـلجنة وضعت تقديرَ {C} لقراءة (οὐκ - لا) أي أن الـلجنة وجدت صعوبةً في اختيار أي قراءة يجب وضْعُهَا في نَصِّ نسختهم، ولكنهم في النهاية وصلوا إلى أن (οὐκ - لا) هي القراءة الأصلية التي كتبها يوحنا في إنجيله، جاعلًا يسوع كذابًا .
يجب علينا عند هذه النقطة أن نسأل أنفسنا سؤالًا؛ لماذا وجدت الـلجنة صعوبةً في اختيار القراءة ؟ هذا السؤال مهم جدًّا، وسيُوصِلُنا إلى مفاهيم خطيرة جدًا حول الكتاب المقدس ومخطوطاته, والإجابة على السؤال هو أن هناك صراعًا شديدًا بين الأدلة الداخلية والأدلة الخارجية حول تحديد أي القراءات هي الأصل . قبل دراسة الأدلة الخارجية - أي دراسة المخطوطات التي تحتوي على النص - يجب علينا أن نعرف أن العلماء قاموا بتحديد بعض المخطوطات، ووضعوها تحت مُسمى “أفضل الشوهد اليونانية “, أي أنهم اعتقدوا أن هذه المخطوطات تحتوي على أفضل نص يوناني، والأقرب إلى الأصل وأفضل الشهود اليونانية بالنسبة لإنجيل يوحنا هم البردية 75 والبردية 66 والمخطوطة الفاتيكانية, والمفاجأة هي أن هذه المخطوطات التي تحتوي على أفضل نص يوناني بالنسبة لنص يوحنا 7: 8 في صالح قراءة (οὔπω - ليس بعد) التي لا تجعل يسوع كاذبًا !
عند هذا الحد قد ينبهر المسلم والمسيحي على السواء، ويسأل نفسه؛ لماذا صعوبة الاختيار إذن ؟ فنقول: الصعوبة تأتي من ناحيتين:
أولًا: وجود مخطوطات وترجمات قديمة كثيرة في صالح قراءة (οὐκ - لا) التي تجعل يسوع كاذبًا.
وثانيًا: دَعْمٌ لا حدود له من قِبل الأدلة الداخلية لصالح قراءة (οὐκ - لا) التي تجعل يسوع كاذبًا ! فما هي الأدلة الداخلية ؟
الأدلة الداخلية - كما أوضحنا سَلَفًا - هي إجاباتُ بعض الأسئلة التي تجعلنا نصل إلى تقييمِ أيِّ القراءات هي الأصلية، مثل؛ أي القراءات أثارت مخاوف الناسخ ؟ أي القراءات هي المحتمل تغييرها؟ مع تطبيق بعض القواعد الأخرى، مثل: (القراءة الأصعب هي الْمُفَضَّلَةُ كأصلية)، و(القراءة التي تشرح سبب ظهور بقية القراءات هي الْمُفَضَّلَةُ كأصلية) . هذه الأسئلة مع القواعد تساعدنا في الوصول إلى أي القراءات كانت هي الأصل . والآن إلى التطبيق العملي .
عند تقييم القراءتين (οὐκ - لا) و (οὔπω - ليس بعد) من ناحية الأدلة الداخلية نسأل ونقول: أي القراءات أثارت مخاوف الناسخ ؟ أي القراءات هي المحتمل تغييرها ؟ بمعنى : عندما قرأ الناسخ المخطوطة السينائية مثلًا، ووجد أنها تُقْرَأُ :(أنا لا أصعد إلى هذا العيد) التي تجعل يسوع كاذبًا , هل سيرضى بهذه القراءة ؟ هل سيتركها ؟ أم أن هذه القراءة ستُثِيرُهُ، وسيحاول الدفاعَ عن يسوع ورَدَّ تهمة الكذب عنه ؟ بالطبع سيحاول تغييرها بهدفِ تبرئةِ يسوع وعدم تشويه صورته, وهكذا قال العلماء عند دراسة النص من ناحية الأدلة الداخلية, فقد قال العالم بروس متزجر[13] أحد أعضاء لجنة نُسْخَةِ العهد الجديد اليوناني الإصدار الرابع، المُراجع في تعليقه حول نص يوحنا 7: 8 ؛ قراءة (بعد) أُدْخِلَتْ في زمنٍ مُبَكِّرٍ جدًا (مدعمة من البردية 66 و 75) من أجل تخفيفِ التناقُضِ الموجودِ بين العدد 8 والعدد 10 . أي أن سبب التحريف هو رَفْعُ التناقض الموجودِ في أقوال يسوع؛ حيث إنه قال في العدد الثامن: (أنا لا أصعد إلى هذا العيد)، ثم في العدد العاشر نجده قد صعد بالفعل , لذلك تم تغيير كلمة (οὐκ - لا) إلى (οὔπω - ليس بعد) ليُصْبِحُ قول يسوع (أنا ليس بعد أَصْعَدُ إلى هذا العيد)! فلا يكون وقتها كاذبًا!!
بهذا قال أيضًا العالم الألماني فيلند فيلكر[14] في تعليقاته النَّصِّيَّه على إنجيل يوحنا: من الممكن أن يكون الناسخ قد غَيَّرَ (οὐκ - لا) إلى (οὔπω - ليس بعد) من أجل إزالة التناقض بين العدد الثامِن، والعدد العاشر.
بهذا قد علمنا سبب التحريف، وبقي لنا أن نعرض تعليق الناقد النصي المشهور ديفيد بالمر[15] ، الذي له ترجمته الخاصة الإنجليزية للعهد الجديد من اليونانية مع تعليقات نقدية في الهامش , فقد أورد تعليقًا دسمًا على النص؛ حيث قام بِجَمْعِ الكثير من الآراء النقدية الوارِدَةِ حول هذه المشكله، وأعطى لقراءة (οὐκ - لا) التقدير B ، وقال مُعَلِّقًا: النظرية السائدة حاليًا حول قراءة “لستُ بعد أَصْعَدُ” أنه تم إقْحَامُهُ في وقت مُبَكِّرٍ من انتقال النص (P66 ، في عام 200م تقريبًا) ، للتخفيف من حِدَّةِ التناقُضِ الظاهر بين النص الثامن وما فعله يسوع فعلًا في النص العاشر . نستطيع أن نفهم أن الناسخ كان يرغب في الدفاع عن يسوع، لمنعه من أن يظهر كَذَّابًا . ومع ذلك أقول: إن كان هذا هدفَهُم، فقد فشلوا في تحقيقه!
أولًا : لأن يسوع ما زال مخادعًا؛ لأنه صَعِدَ لا في العلن بل في الخفاء، كما في العدد العاشر. حتى بدون كلمة “ليس بعد“، يسوع ما زال مخادعًا لإخوته، وللذين في أورشليم الذين يريدون قتله . ومن الناحية الأخلاقية يجوز الكذب على من يحاولون اغتيالك .
ثانيًا: وجود كلمة (οὔπω - ليس بعد) ليست ضرورية للمرة الثالثة في هذا السياق، لغرض الدفاع عن يسوع من تهمة الخداع؛ لأننا نرى أن يسوع قالها مرتين في العدد السادس والثامن, ولذلك لم يُنْكِرْ بالكُلِّيَّة أنه لن يصعد أبدًا إلى العيد. وعلى الجانب الآخر؛ حيث إن قراءة (οὔπω - ليس بعد) موجودة في أقدم المخطوطات ، بما فيها تلك التي يعتقد حاليا أنها الأكثرُ موثوقية ، وموجودة في الغالبية الساحقة من المخطوطات، لذلك نستطيع أن نفهم لماذا تُعْطِي لجنة الـUBS تقدير C فقط لهذه القراءة . أما بالنسبة لي ، فلم أرَ أيَّ حُجَّةٍ مُقْنِعَةٍ بخصوص النُّسَّاخ الذين أنتجوا المخطوطات التي لا تحتوي على قراءة (οὔπω - ليس بعد) لماذا قاموا بحذفها ؟ إن من الأسهل بكثير أن نشرح؛ لماذا أضاف الناسخ كلمة (οὔπω - ليس بعد) من أنْ نَشْرَحَ سببَ حَذْفِهَا!
لا أستطيع إلا أن أقول: إن هذا التعليق رائع جدًا, رُغْمَ وجود بعض الملاحظات لي عليه, ولكنه في المجمل تعليقٌ صريحٌ وقَوِيٌّ، يُوَضِّحُ إشكالية هذا النص بدقة.
وبالرغم محاولة ديفيد لإظهار يسوع في وضع أفضل, إلا أن تبريراته لا تعنينا بِقَدْرِ ما تعنينا تعليقاتُه النَّقْدِيَّهُ حول المشكلة, فالقضية هنا مع كل ناقد نصي هي: المفاضلة بين أفضل شواهد إنجيل يوحنا، والأدلة الداخلية.. ولكن، لماذا في نهاية الأمر يفضل الناقد الأدلة الداخليه على أفضل الشواهد اليونانية ؟ الإجابة ببساطة هي من أجل رفْعِ تهمة التخريب الْمُتَعَمَّدِ من على مخطوطات العهد الجديد !
ما هذا الكلام الخطير ؟ نعم , هذه هي الحقيقة , فإن كل ناقد مسيحي يؤمن أن جميع الأخطاء الموجودة في المخطوطات وجميع التغييرات التي تمت في نسخ الكتاب كانت بنية حسنة , أي من أجل تصحيح ما يظنه هو خطأً، وليس من أجل الإفساد المتعمد .
أما لو قلنا: إن قراءة (οὔπω - ليس بعد) الموجودة في أقدم المخطوطات هي الأصلية، فهذا يعني أن بعض النُّسَّاخ الذين قد قاموا بإبدال كلمة (οὔπω - ليس بعد) بـ (οὐκ - لا) عمدًا , ولماذا هذا الفعل العجيب ؟
الجواب الوحيد، والذي يرفضه كل ناقد مسيحي، ولا يستطيع تقَبُّلَه، هو: أن الناسخ أراد إفساد الكتاب وتشويهَ صورة يسوع مع سبق الإصرار والترصد ! لا يوجد أي تفسير آخر , من أجل ذلك تجد الناقد يقبل القراءة التي تجعل يسوع كاذبًا وهو صاغر, ويكون مضطرًا إلى القول بأن قراءة (οὔπω - ليس بعد) الموجودة في أقدم وأفضل شواهد العهد الجديد، ليست هي القراءةَ الأصلية , وأن قراءة (οὐκ - لا) الموجودة في المخطوطة السينائية والبيزية والترجمات الـلاتينية والسريانية والقبطية والأرمينية والأثيوبية والجورجية والسلافينية وموجودة أيضًا في كتب القراءات الكنيسة هي القراءة الأصلية !
القراءة التي تجعل يسوع كاذبًا هي الأصل ؟ نعم.. هذا أهْوَنُ بكثير من أن يقول الناقد: إن هناك نُسَّاخًا أفسدوا في المخطوطات عَمْدًا، وأرادوا وهم في كامل قواهم العقلية تشويهَ صورة يسوع، وجَعْلَهُ يكسر وصيةً من أهم الوصايا، ألا وهي: لا تكذب!
من هذه المشكلة النصية نجد أن الناقد النصي اختارَ أن يقول بلسان حاله: أنّ أقْدَمَ وأفْضَلَ شواهد العهد الجديد قد دخل فيها التحريف مبكرًا جدًّا , وأنها للأسف لا تحتوي على القراءة الأصلية، ليس هذا فحسب، بل إن الأغلبية الساحقة من مخطوطات العهد الجديد فيها تحريف، ولا تحتوي على القراءة الحقيقة والتي تجعل يسوع كاذبًا .
هذه هي المشكلة التي حيرت العلماء , المشكلة التي جعلتنا نستيقن أن هذا الكتاب ليس له علاقة برب الأرباب , المشكلة التي فضحت مخطوطات العهد الجديد أقدمها وأفضلها، وجعلتها جميعًا بلا أدنى فائدة , المشكلة التي جعلت الناقد النصي المسيحي صاغرًا، ودَسَّتْ أنفه في التراب، وأجبرته على قول أن يسوع كذابٌ في أصل الكتاب !
( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ )[آل عمران : 71]
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
وختامًا نسألكم الدعاء لي
المصدر مدونة أبو النتصر شاهين
[1] The Text of the New Testament Its Transmission, Corruption, and Restoration
Fourth Edition by Bruce M. Metzger and Bart D. Ehrman – Preface to the First Edition P.XV
[2] تفسير أنطونيوس فكري - كنيسة السيدة العذراء بالفجالة
إنجيل يوحنا (الإصحاح السابع) الآيات (8 – 10) – صـ191 http://www.arabchurch.com/commentaries/father_antonios/John/7
[3] The Adam Clarke Commentary – New Testament – John Chapter 7
Verse 8. I go not up yet unto this feast http://www.studylight.org/com/acc/view.cgi?book=joh&chapter=007
[4] History of the Christian Church, Volume II: Ante-Nicene Christianity. A.D. 100-325 – by Schaff, Philip
Porphyry and Hierocle http://www.ccel.org/ccel/schaff/hcc2.v.v.viii.html
[5] Hearing The New Testament , Strategies for Interpretation http://books.google.com.eg/books?id=hyagcHhk9C0C
Textual Criticism of the New Testament by Bart D. Ehrman – External Evidance P.131
[6] المرجع السابق Internal Evidance P.135
[7] Nestle-Aland 26th/27th Edition Greek New Testament
[8] Greek New Testament (Majority Text) of the Greek Orthodox Church
[9] العهد الجديد يوناني عربي بين السطور - بولس الفغالي - صـ471
قاموس يوناني عربي لكلمات العهد الجديد والكتابات المسيحية الأولى - رهبان دير الأنبا مقار - صـ98
[10] The Committee of The Greek New Testament, Fourth Revised Edition – Barbara Aland, Kurt Aland, Johannes Karavidopoulos, Carlo M. Martini, and Bruce M. Metzger
[11] The Greek New Testament 4th Revised Edition P.3* – The Textual Apparatus – The Evaluation of Evidence for the Text
[12] The Greek New Testament, Fourth Revised Edition P.342 – John 7:8
[13] A textual commentary on the Greek New Testament, second edition by Bruce M. Metzger – John 7:8 – P.185
[14] A Textual Commentary on the Greek Gospels Vol. 4 John by Wieland Willker – TVU 97
[15] A new translation from the Greek by David Robert Palmer
Alternating verse by verse with the ancient Greek text – John 7:8