أسفار موسي الخمسة ونظرية المصدرين
التاريخ: الثلاثاء 23 مايو 2006
الموضوع: - خربشات مسيحيات


محمود أباشيخ

هل كتب موسي عليه السلام الأسفار الخمسة التي تنسب إليه ؟؟ ( التوراة )  ,لم تفكر الكنيسة ولا السيناجوج  من أن تثير هذا السؤال لفترات طويلة دعك من ان تشكك في الأمر المسلم به رغم عدم وجود أي دليل له بل رغم وجود ما يشير الي العكس, ولكن برمج أصحاب الكتاب أنفسهم علي عدم التوقف عند هذه الإشارات وإن حدث أن توقف فرد من هنا وهناك بين الحين والآخر ترميه الكنيسة بتهمة الهرطقة ويمسح اسمه من كتاب الحياة فيحرم من دخول الملكوت .. واستمر الأمر علي هذا المنوال إلي العصر الإصلاحي فكثر المشككون حول مصداقية الكتاب المقدس، وفقدت الكنيسة السيطرة عليهم, وهنا بدأت الكنيسة تبتكر أدلة ليس لها وجود, فما هي هذه الأدلة وما هي أدلة الطرف الآخر


يؤكد القمص أنطونيوس فكري ان كاتب الأسفار الخمسة هو موسي النبي ويقدم ثلاثة أدلة أولها ورود عبارة " كلم الرب موسي "  الدليل الثاني هو ان المسيح نسب الشريعة إلي موسي والدليل الثالث والأخير هو إلمام الكاتب بجغرافية مصر ولغة أهلها بدليل ورود كلمات مصرية في سفر التكوين
أما عن عبارة " كلم الرب موسي " فإنها علي عكس قول القمص تشير إلي شخص آخر يخبر عن موسي عليه السلام والأولي للكاتب أن يقول " كلمني الرب " وإن افترضنا صحة استدلال القمص فإننا نواجه مشكلة عدم ورود العبارة في سفر التكوين بل ان اسم موسي لم يذكر نهائيا في سفر التكوين مما يشير إلي نقل الكاتب من مستندات كتبت قبل موسي

أما عن تسمية الأسفار الخمسة بشريعة موسي ليس بدليل, ولسقراط مدرسة فلسفية تنسب إليه رغم انه لم يخط حرفا بيراعه، ولولا تلميذه افلاطون لما عرفنا شيأ عن سقراط, فهو الذي دون فلسفته

أما عن معرفة الكاتب بجغرافية مصر فقد فال عنها القمص "" والمعلومات الجغرافية الواردة صحيحة فهذا يقطع بأن كاتب هذه الأسفار عاش في مصر ويعرفها ""  وهذا القول من القمص أنطونيوس فكري ما هو إلا نفي لكون هذه الأسفار وحي من الله إذ ان الموحي إليه ليس من الضروري ان يكون إبن بطوطة في الجغرافية لأن الموحي اليه يتلقي من لدن عليم خبير, ولقد أخبرنا القرآن عن فرعون ولم يعش محمد صلي الله عليه وسلم في مصر كما اخبرنا عن البحار وأمواجها وما تحت الأمواج ولم ير محمد صلي الله عليه وسلم البحر في حياته ولعل القمص أنطونيوس فكري يدرك ان موسي لم يكن اليهودي الوحيد الذي عاش في مصر او لديه معرفة ببعض الكلمات المصرية القديمة
ككلمة طاس التي وردت في السفر التكوين واتخذها القمص دليلا علي كون موسي هو الكاتب وكأن لا أحد غيره يعرفها, هذا  في حالة إفتراض كون الكلمة فرعونية إذ انه غير مستبعد توهم القمص فالعرب تسمي الكأس النحاسي بالطاس وجميع القواميس العربية تعرف الطاس بالكأس أو إناء من نحاس


لقد وردت كلمة " طاس "  أربع مرات في الإصحاح 44 من سفر التكوين منها الفقرة الثانية عشر "" ففتش مبتدأ من الكبير حتى انتهى الى الصغير.فوجد الطاس في عدل بنيامين "" نسخة فان دايك العربية, أبينما فضلت  نسخة الحياة التطبيقية  كلمة الكأس "" فوجد الكأس في عدل بنيامين "" والسؤال الذي يطرح نفسه هو من أين لنا أن نعرف الكلمة التي استخدمها كاتب الأسفار الخمسة طالما النسخ العربية اختلفت  .. للإجابة علي السؤال يجب الرجوع الي النسخة العبرية وهذا محال لأن النسخة العبرية فقدت وليس لدينا الا ترجمتها اليونانية والترجمة اليونانية استخدمت كلمة " كوندو " بينما النسخة العبرية المتأخرة أي تلك التي صدرت بعد المسيح, استخدمت كلمة " غيبية " والتي تعني الكأس (gheb-ee'-ah); وكما يبدوا, قصة الطاس ما هي إلا أخماس في اسداس

يري المعارضون ان الأسفار الخمسة نقلت من مستندين مختلفين لذلك سميت نظريتهم بنظرية المصدرين أو المستندين وتعرف ايضا بنظرية - الإيلوهيم اليهوي -  حيث يرون ان المصدر الأول استخدم كلمة " ايلوهيم " كإسم الله بينما المصدر الثاني استخدم اسم يهوه , كما يرون ان أسلوب المصدر الأول بدائي بينما أسلوب المصدر الثاني أكثر تعقيدا وينتمي الي عصر غير عصر المصدر الأول ولقد نتج عن دمج المصدرين في كتاب واحد نتج عنه تكرار عدد من القصص في تناقض جلي

 

نظرية المصدرين ربما تنقصها الأدلة القاطعة من وجهة نظرالمؤمن المحافظ فهو لا يعر اهتماما الي اسم الإله , ايلوهيما كان او يهوه, بينما تناقضات القصص المتكررة في نظر المؤمن ما هي إلا سوء فهم من مروجي نظرية المصدرين كما ان  اختلاف أسلوب الكتابة قد يحسبها  لصالحه كدلالة علي عدم تدخل الكاتب فيما يوحي اليه . ولكن ما لا يمكن تجاهله هو وجود نصوص تؤكد ان احد المستندين ينتمي إلي عهد ما بعد موسي عليه السلام , ومن هذه النصوص تلك التي تنتهي بعبارة " إلي يومنا هذا " وهي عبارة تعبر عن مرور فترات طويلة, ثم هناك نصوص في سفر التكوين تتحدث عن مدن لم يكن لها وجود في حياة موسي وذكر أحداث حدثت بعد موته عليه السلام كالحديث عن دخول بني إسرائيل أرض الموعد ففي التثنية 2 / 12 يشبه الكاتب قتال عيسو للحوريين وإبادتهم بإبادة اليهود للكنعانيين في أرض الميراث التي اعطاهم الرب وفي التكوين 12/ 6 يقول الكاتب " وكان الكنعانيون حينئذ في الارض " ويفهم من النص مرور فترة ليست قصيرة علي طرد الكنعانيين بالإضافة الي ذلك يحدثنا سفر التكوين 36/31  عن عهد الملوك وبصيغة الماضي رغم ان أول ملوك بني اسرائيل هو شاول وذلك بعد موسي بعدة قرون , أضف الي ذلك ورود أسماء مدن لم تكن تعرف بتلك الأسماء في حياة موسي كمدينة دان التي جاء ذكرها في سفر التكوين 14/14 ونفهم من  سفر القضاء 18/29  ان المدينة كانت تعرف بلاشن وأخذت اسم دان بعد موت موسي بزمن طويل


لعل اغرب أحداث ما بعد موسي الموجودة في الأسفار التي تنسب إليه هي الحديث عن موت موسي عليه السلام ودفنه, فقد جاء في آخر سفر التثنية خبر موت موسي "" فمات هناك موسى عبد الرب في ارض موآب حسب قول الرب .. ودفنه في الجواء في ارض موآب مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم " التثنية 34/5-6

 

قصة موسي بدأت بضمير الغائب بداية من "" ودعت اسمه موسى "" الخروج 2:10 وانتهت بنعيه أيضا بالضمير الغائب ولولا ذلك لخرج علينا النص الأخير بشكل مضحك يقول فيه موسي
ومت أنا موسي عبد الرب هناك في أرض مواب حسب قول الرب ودفنني في الجواء مجهول مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبري إلي هذا اليوم

ورغم استحالة نسب هذا النص إلي موسي لم يتردد البعض في إيجاد تأويلات كفيل في كتابه حياة موسي ويوسيفوس المؤرخ اليهودي في كتابه أنتيك والاثنان لا يريان بأسا في ان يأمر الرب موسي بكتابة خبر وفاته قبل وفاته ( انظر مقدمة تفسير بابليت لسفر التثنية ) (1) ويبدوا انهما لم ينتبها ان قولهما فيه اتهام صريح لله بالكذب اذ ان قول موسي بأنه مات قبل ان يموت كذب لا جدال فيه
 
أكثر المفسرين يقرون بان موسي لم يكتب هذا النص وينسبونه ليشوع ولكن دون دليل كأنطونيوس فكري الذي قال في تفسيره "" هذا الإصحاح غالباً الذى كتبه هو يشوع بن نون لينهى به أسفار موسى بقصة موت موسى "" ( صفحة 127 )


أنطونيوس فكري لم يقدم دليل علي ان يشوع كتب هذا الجزء بل لم يجزم به كما هو واضح في استخدامه كلمة " غالبا " كما انه لم يعطنا ما يبرر تدخل يشوع في كتاب غيره , بالإضافة الي ذلك, استمرارية النص في استخدام حرف الفاء في قول " فمات هناك موسي "  تبين ان الكاتب واحد , فإن كان كاتب النص الأخير هو يشوع يلزم ان يكون كاتب بقية السفر يشوع الا أن النصوص التي تنفي من ان يكون موسي هو الكاتب تنفي أيضا من ان يكون الكاتب يشوع إذ انه هو أيضا لم بعاصر قيام دولة بني إسرائيل

القمص أنطونيوس يري ان موسي ذكر مملكة إسرائيل ‘يمانا منه بوعد الله ( تفسيره للتكوين ص 266 ) ولو كان هذه صحيحا لاستخدم موسي صيغة المضارع بان يقول " قبل ان يملك أي ملك لبني إسرائيل " لكن الكاتب استخدم الفعل الماضي مما يؤكد ان الكاتب عاصر قيام الدولة " قبلما ملك "

نص نعي موسي عليه السلام أيضا يفهم منه انه كتب بعد يشوع ولو كان يشوع هو الكاتب لعرفنا من الذي دفن موسي واين, لكن الكاتب يجهل قبر موسي ومن دفنه ولا يمكن ان يجهل يشوع ذلك كما ان عبارة " الي هذا اليوم " لا تجعل مجالا للشك بأن النص كتب بعد يشوع بزمن طويل, والنص الذي يلي دفن موسي عليه السلام معول آخر يهدم ما ذهب اليه القمص أنطونيوس فكري .. يقول النص "" ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه "" 34/10 ومحال أن تكتب هذه العبارة في حياة يشوع إذ انه يلزم مجيء عدد من الأنبياء قبل ان توضع هذه المقارنة

نستنتج مما سبق استحالة كون موسي عليه السلام كاتب الأسفار الخمسة الا إذا قيل انه كتبهم في قبره المجهول بعد قرون من وفاته صلوات الله وسلامه عليه وعلي نبينا محمد

هوامش

(1) The Pulpit Commentary: Deuteronomy. 2004 (H. D. M. Spence-Jones, Ed.) p xxxv . Funk & Wangalls co New York and Toronto

الرجوع الي خربشات صوماليانو

مقالات مشابهة

نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى منقذ السقار

 هل الأسفار الخمسة الحالية هي توراة عزرا - منقذ السقار

 







أتى هذا المقال من برهانكم للرد على شبهات النصارى
http://www.burhanukum.com

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.burhanukum.com/article64.html