وكذلك فعل كل ذي دعوة بأهل دعوته، غير صاحبك، فإنّا لم نره دعا الناس إلا بالسيف والسلب والسبي والإخراج من الديار، ولم نسمع برجل غيره جاء فقال: من لم يقرّ بنبوَّتي وأني رسول رب العالمين ضربتُه بالسيف وسلبتُ بيته وسبيتُ ذريته من غير حجة ولا برهان. فأما المسيح سيد البشر ومحيي العالم فيتعالى ذكره ويجل قدره أن تُذْكَر دعوته في مثل هذا الموضع. وأنا أتلو كلام سيدي يسوع المسيح ليلي ونهاري، وهو شعاري ودثاري، وأسمعه يقول: تفضلوا على الناس جميعًا، وكونوا رحماء كي تشبهوا أباكم الذي في السماء، فإنه يشرق شمسه على الأبرار والفجّار ويمطر على الأخيار والأشرار (قارن متى 5/ 43- 48). فكيف يُظَنّ بمثلي، والمسيح يخاطبني بمثل هذه المخاطبة، أن يقسو قلبي حتى أصير في صورة إبليس العدو القاتل، فأضرب وأقتل أبناء جنسي وذرية آدم المجبول بيد الله وعلى صورته تعالى، والله جلَّت قدرته هو القائل: "لست أحب موت الخاطئ، لأنه اليوم في خطاياه، وغدًا يتوب، فأَقْبَله كالأب الرحوم"، سيَّما وقد شرَّف الله سبحانه النوع الإنساني بأن كلمته الخالقة تجسَّدت منه واتَّحدت به وأعطته ما لها من الربوبية والألوهية والسلطان والقدرة، فصارت الملائكة تسجد له وتقدّس اسمه وتسبّح ذكره كما يسبّح اسم الله وذكره، ولا تفرِّق في ذلك بينهما. ثم زيد نعمة إلى النعمة المتقدمة بأن أُعْطِيَ الجلوس عن يمين ذي العزة تشريفًا لذلك الجسد المأخوذ منا الذي هو من ذرية أبينا آدم، فهو مثلنا وأخونا في الطبيعة، وخالقنا وإلهنا باتحاد الكلمة الخالقة به بالحقيقة، ثم دفع إليه جميع السلطان في السموات والأرض، وخوَّله تدبير الخلائق وصيَّر البعث والنشور والدِّين إليه، وأن يحكم حكمًا نافذًا جائزًا على الملائكة والإنس والشياطين. أفتريد أن أضادّ أمر الله وأضربهم بالسيف وأسلبهم وأسبيهم؟ إن هذا لجورٌ على الله عز وجل، وعناد لأمره، وظلم لنعمته، وكفران لإحسانه. وأعوذ بالله من خذلان الله وغضبه".
والواقع أن أمر هذا الرجل كله كذب وتدجيل وافتراء، فلم يحدث أن قال الرسول عليه الصلاة والسلام يوما من الأيام: "من لم يقرّ بنبوَّتي وأني رسول رب العالمين ضربته بالسيف وسلبت بيته وسبيت ذريته من غير حجة ولا برهان" ولا طبّق ذلك الكلام قَطّ، بل استمر عليه السلام ثلاث عشرة سنة فى مكة يدعو الناس إلى التأمل فى الكون والتفكير فيما يقوله لهم ويقرؤه عليهم من آيات القرآن الكريم، لم يرفع فى وجههم سيفا ولا رمحا ولم يفوِّق فى نحورهم سهما ولا شتمهم ولا هددهم، بل عرض عليهم مبادئ دينه وعمل على تفتيح عيونهم وقلوبهم وعقولهم لما تحتويه من كنوز ودُرَر، وكانوا هم الذين يؤذونه هو وأصحابه ويضربونهم ويحاصرونهم ويقاطعونهم ويشنعون عليهم ويتآمرون ضدهم، وقتلوا بعضا منهم وخططوا لقتله هو أيضا، وذلك بعدما أعيتهم الحيل فى أن يسكتوه بوسائل الإغراء المختلفة من رياسة ومال وما إلى ذلك. فأين إذن التهديد والأذى الذى يقول حمارنا المدلس إنه عليه الصلاة والسلام كان يجرى عليه فى دعوته؟ فإذا ذكر هذا المفترى أن المسيح صبر ثلاثة أعوام لقد صبر الرسول الأكرم ثلاثة عشر عاما لا ثلاثة فحسب. كما أن المسيح لم يكفّ خلال ذلك عن لعن اليهود وسبهم، وكذلك اتهام حوارييه بضعف الإيمان ووسْم بطرس نفسه بالنفاق، وهو أكبرهم وأقربهم إليه، وتهديد بنى إسرائيل بالسيف وإثارة أفراد كل أسرة بعضهم على بعض، بالإضافة إلى ما أبداه من احتقار هائل للأمميين ناعتا إياهم بأنهم كلاب لا يحق لها أن تأكل مع أهل البيت، فما كان من المرأة الكنعانية إلا أن قالت له: إن للكلاب أيضا نصيبا فى الفتات. وهو ما أعجبه، وكأنه كان يتلذذ بإهانة الآخرين ويجد سعادةً مَرَضِيّةً فى رؤيتهم أذلاء أمامه لا حول لهم ولا طول. وطبعا نحن المسلمين لا نصدق بأن المسيح عليه السلام يمكن أن يجترح هذه الأعمال ولا أن يتفوّه بتلك الأقوال، فهو نبى مكرم اختاره الله على عينه ورقَّى أخلاقة ترقية عظيمة، بيد أننى إنما أجادل حمارنا بمنطقه وبنصوص كتابه! أما قوله إنه لا يريد أن يضادّ أمر الله ويضرب الأعداء بالسيف ويقتلهم ويسلبهم فليس لى من تعقيب عليه إلا أن أقول له: أمعقول أنك تجهل العهد القديم وما فيه من أمر باستئصال الآخرين وحرق بيوتهم وإبادة أولادهم ونسائهم وحيواناتهم؟ أم تقول إن هذا ليس كلام الله؟ إذن ففيم إيمانك به؟ أم تراك تقول إن الأنبياء الذين أَتَوْا بهذا الكلام قد أَتَوْا به من لَدُنْ أنفسهم؟ ولكن إذا كانوا قد أَتَوْا به من لَدُنْ أنفسهم، فلماذا ترك الله هذا الكلام فى كتابه؟ أم تراه لم يَرْضَه؟ فلماذا لم يأمرهم بحذفه ويعاقبهم على هذه المبادرة غير المطلوبة ولا الحميدة؟ أم ماذا؟ وعلى كل فإن عمر المسيح فى عالم الدعوة لم يتجاوز، كما قلنا، ثلاثة أعوام. ولا يستطيع أحد أن يزعم بأنه كان سيستمر على السكوت أمام أذى الأعداء لو أن عمره امتد وزاد أتباعه وأصبح مسؤولا عن هؤلاء الأتباع وعن نظام حياتهم وعن توفير الأمن والأمان والغذاء والكساء لهم، وإلا كان مقصّرا غاية التقصير فى ذات حقهم، وبخاصة أنه أعلن أنه ما جاء إلا بالسيف وبإثارة البيت الواحد بعضه على بعض!
وهذا كله لو كان القرآن كما يقول عنه الأخرق الأحمق! أمّا، وكتاب الله الكريم يقول شيئا مغايرا تماما لما يدعى ذلك المنافق، فمعنى هذا أنه يردد أكاذيب ومفتريات لا صلة بينها وبين الواقع الذى يفقأ عينه ودبره المنتن. وإلى القراء الأعزاء البيان بحكم القرآن فى قضية الجهاد: ونبدأ بالنظر فى معنى كلمة "الجهاد"، ففى "لسان العرب" مثلا أن "الجَهْد والجُهْد: الطاقة. تقول: اجْهَدْ جَهْدَك. وقيل: الجَهْد المشقة، والجُهْد الطاقة. الليث: الجَهْدُ ما جَهَد الإِنسان من مرض أَو أَمر شاق. الأَزهري: الجَهْد بلوغك غاية الأَمر الذي لا تأْلو على الجهد فيه. تقول: جَهَدْت جَهْدي واجْتَهَدتُ رأْيي ونفسي حتى بلغت مَجهودي. قال: وجَهَدْت فلانا إِذا بلغت مشقته وأَجهدته على أَن يفعل كذا وكذا. ابن السكيت: الجَهْد الغاية. قال الفراء: بلغت به الجَهْد أَي الغاية، وجَهَدَ الرجل في كذا، أَي جَدَّ فيه وبالغ. والاجْتِهاد والتجَاهُد: بذل الوسع والمجهود، وهو افتعال من الجهد. والجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أَو اللسان أَو ما أَطاق من شيء". وواضح أن الجهد هو المشقة، وأن الجهاد هو أن يشق الإنسان على نفسه ويبذل كل ما فى طاقته لا يدخر وسعا. هذا هو المعنى اللغوى، وهو لا ينحصر فى شىء بعينه كما ترى، بل يعم كل ما يؤديه البشر من أعمال، فهل فى القرآن أوفى أحاديث النبى محمد ما يدل على أن الجهاد فى الإسلام ينحصر فى القتال وأن الغاية منه هى إكراه الآخرين بقوة السيف على الدخول فيه رغم أنوفهم وعكس اقتناعهم؟
لننظر أولا فى القرآن المجيد، فماذا نجد؟ لقد ورد "الجهاد" فى عدد من السياقات والمعانى المختلفة: فمنها مثلا قوله تعالى فى سورتى "العنكبوت" و"لقمان" على التوالى يوصى المسلم بأبويه خيرا ويشدد عليه فى الإحسان لهما حتى لو حاولا بكل ما عندهما من جهد أن يصداه عن دينه ويعيداه إلى الشرك الذى لا يقبله عقله ولا يرتاح إليه ضميره: "وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)"، "وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)". ولا أظن أن هناك عاقلا يقول إن "الجهاد" هنا هو قتال غير المسلم لإكراهه على ترك دينه والتحول عنه إلى دين محمد عليه الصلاة والسلام، أو إنه قتال الوالدين لابنهما بالسيف كى يترك الإسلام ويرتد إلى الكفر والعياذ بالله، بل المعنى فى الآيتين هو بذل الوالدين كل ما عندهما من جهد فى التأثير على ابنهما وصَدِّه عن دين الله. وصيغة "فاعَلَ" هنا تعنى أن كلا الطرفين يبذل جهده فى مواجهة الآخر: المشرك لفتنة المسلم عن دينه، والمسلم للاستمساك بدينه والحفاظ عليه وعدم الضعف أمام ضغط والديه، مع إحسان صحبتهما رغم ذلك كله. والآيات السابقة على آية سورة "العنكبوت" مباشرة تشير إلى مدى النَّصَب والمعاناة اللذين كان المسلمون يتعرضون لهما آنذاك: "الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)". والمعنى أن للإيمان ضريبته المكلفة، وأن الأمر ليس مجرد شقشقة باللسان، بل هناك الفتن الفادحة. والمؤمن الحقيقى هو الذى يصبر ويجاهد ويتمسك بإيمانه لا يفرّط فيه مهما تكن شدة تلك الفتن.
وفى سورة "العنكبوت" أيضا نقرأ قول الحق تبارك وتعالى: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)". وهذه السورة، كما هو معلوم، سورة مكية. أى نزلت قبل أن يكون هناك قتال بين المسلمين والكفار، ومن ثم فالجهاد هنا لا يعنى إلا صبر المسلم على ما كان يلقاه على أيدى المشركين من أذى وضر، والاستمساك بدينه فى وجه هذا البلاء وعدم التفريط فيه تحت أى ظرف من الظروف. وكثيرا ما كان الصحابة يشكون للنبى ما ينزل بهم من جهد، يريدون أن يردّوا على الإساءة بمثلها، لكنه صلى الله عليه وسلم كان ينصحهم بالصبر والتحمل إلى أن يجعل الله لهم من ذلك العناء فرجا ومخرجا. ومن نفس الوادى الآية الثانية والخمسون من سورة "الفرقان": "وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً (32) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلاً (34)... وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) ... وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (50) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)".
وواضح هنا أيضا أن الجهاد لا يعنى القتال، إذ "الفرقان" هى إحدى سور القرآن المكى، ولم يكن المسلمون قد سُمِح لهم بَعْدُ أن يردّوا العدوان بمثله، بل كان الشعار آنذاك هو الصبر والإغضاء على الأذى كما تَقَدَّم بيانه. لكن لما زاد الأمر عن حده ولم يعد هناك مفر من المواجهة بعد أن قدّموا كل ما يمكنهم تقديمه من التسامح والعفو ولم يأت شىء من ذلك بثمرة، كان لا بد لهم من قتالِ مَنْ قاتلهم وضَرْبِ من يضربهم، فالعين بالعين، والسن بالسن، والبادئ أظلم. وهذه هى الحياة، وإلا أكل القوىُّ الوقحُ الحيىَّ المسالم. لكن ليس فى القرآن أى كلام عن إجبار الآخرين على اعتناقه، فالإسلام لم يعرف ما عرفته الكنيسة من التسلط على العقول وترويع الآخرين والتفتيش فى ضمائرهم وتعذيبهم وتحريقهم حتى يدخلوا فى دينها، وذلك رغم ما تتشدق به الكنيسة من كلام جميل عن التسامح المطلق الذى يوجب على صاحبه أن يدير خده الأيسر لمن يصفعه على خده الأيمن... إلى آخر هذا الكلام الذى لا يصلح لدنيا البشر إلا لوقت معلوم وفى ظروف خاصة، ويقتصر على خلافات الأفراد داخل المجتمع الواحد، وإلا كانت كارثة. وفى القرآن آيات متعددة توصى بالصبر وعدم الرد على السيئة بمثلها، وآيات أخرى تخير المسلم بين الرد والعفو، مع تحبيب الأخير له. وهو ما يدل على أنه لا فرق بين الإسلام والنصرانية فى تحبيب العفو إلى البشر، ولكن إلى حين. ومرة أخرى ينبغى ألا ننسى أن المسيح عليه السلام لم يمكث بعد أن جاءه الوحى أكثر من ثلاث سنوات، على حين أن نبينا صلى الله عليه وسلم قد مكث فى مكة يصبّر أتباعه لا ثلاث سنوات وحسب، بل ثلاثَ سنواتٍ وفوقها عَشْر. كما أن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يكن حاكما على دولة ولا تحت يده أمة هو مسؤول عنها وعن مصيرها مثلما حدث مع النبى بعد الهجرة إلى المدينة، وإلا أفيستطيع أحد أن يزعم أنه كان سيجرى على هذه السنّة إلى أبد الآبدين؟ فمن الذى قال إذن: ما جئت لأُلْقِىَ سلاما بل سيفا؟ إنه المسيح نفسه وليس أحدا آخر سواه.
وعلى هذا فإن قوله عز شأنه فى آخر سورة "الحج": "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)" لا يمكن أن يكون معناه شيئا آخر غير بذل الوسع لإرضاء الله فى كل أمر يستطيعه الإنسان. والأمور التى يستطيعها الإنسان ويرضى ربه بها لا تنتهى، لأنها تشمل كل أمور الحياة من زراعة وتجارة وصناعة وتعليم ودراسة وقراءة وكتابة وسياسة وسفارة وطِبَابة ونجارة وسباكة وخراطة وحدادة، وكذلك قتال العدو المغير بطبيعة الحال كأمريكا وبريطانيا ودول الغرب التى تعاونهما الآن. فعلى المسلم أن يجاهد فى ترقية حياته وحياة أمته وحياة الإنسانية كلها. ولا شك أن كسل المسلم الآن وعدم تنبهه إلى قيمة الجهاد هو الذى أدى به إلى هذا المأزق العسير المؤلم الذى يئنّ منه فى هذه الأيام النَّحِسات، وهو يستحقه إلى حد كبير لأنه أضاع الفرصة تلو الفرصة على مدى قرون كاملة حتى انتهى به الأمر إلى وضعه البائس الحالى الذى جَرّأ عليه أعداءه تلك الجرأةَ المهينةَ التى نبلوها ونذوق كأسها المرة كاملة كل يوم والتى سيكون حساب الأمة عنها فى غاية العسر يوم القيامة، ولاتَ ساعةَ مَنْدَم.
فإذا تحولنا بوجوهنا إلى أحاديث سيد المرسلين ألفينا النصوص الشريفة التالية: ففى صحيح الإمام البخارى نقرأ هذا الحديث الذى يجيب فيه الرسول الكريم على سؤال لعائشة يتعلق بحكم اشتراك النساء فى القتال مع الرجال: "قلت: يا رسول الله، ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور. فقالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم". فها هنا نراه صلى الله عليه وسلم يعد الحج من الجهاد، بل أحسن الجهاد وأجمله. وفى صحيح البخارى أيضا: "قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أجاهد؟ قال: لك أبوان؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهِدْ". وهنا كذلك يعدّ النبى عليه السلام قيام الابن بحاجة والديه جهادا فى سبيل الله. وفى مسند أبى دواود: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم"، وهو ما يدل على أن جهاد الأعداء لا يكون بالقتال فقط، بل بالمال وبالكلمة أيضا كالذى كان يفعله حسان بن ثابت، فإنه كان يجاهد بشعره وفنه. وفى ابن عساكر: "قيل لابن عباس: قد قَدِم حسّان اللعين. قال ابن عباس: ما هو بلعين! قد جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ولسانه". أى أن ما يفعله واحد مثلى الآن بقلمه (أو بالأحرى: بــ"كاتوبه"، إذ لم أعد أكتب بالقلم بل بالكاتوب مباشرة)، يدخل فى باب الجهاد، وإن كان الأجر متوقفا على أن أكون مخلصا فى علمى لا أبتغى فيه السمعة ورئاء الناس وأن أكون قد بذلت أقصى جهدى حتى تبين لى أن هذا الأسلوب هو الأسلوب السليم وليس مجرد حماسة هوجاء لا عقل لها ولا هدف واضح أمامها، وهذا أمر لا يبت فيه إلا الله سبحانه. وفى صحيح الترمذى: "المجاهد من جاهد نفسه"، أى كف عن الشهوات وقام بواجب الطاعة لله سبحانه وبذل وسعه فى عمله وشمر عن ساعد الجِدّ فى ساح العمل والإنتاج، ولم يركن إلى الكسل أو الغش أو الاحتكار أو أسلوب سلق البيض، بل صبر على تكاليف الإتقان والتدقيق والإبداع والسعى فى طلب العلم، فإن كل هذه مشقات تكرهها النفس عادة ولا تريد أن تتجشم فيها شيئا من التعب لو أمكن، فبيّن النبى عليه السلام أن الجهاد الحقيقى هو جهاد النفس بصَبْرها على تأدية الواجب، ومَنْعها من مقارفة المعصية، وما أكثر الواجبات، وما أكثر المعاصى! ومما رواه ابن تيمية من الأحاديث الشريفة قوله صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هجر السيئات، والمجاهد من جاهد نفسه لله". فقد جعل النبى الجهاد هو جهاد النفس، وهذا هو ما قلناه ونقوله، وهو لا يلغى الجهاد الذى هو قتال العدو بالسيوف والبنادق والمدافع والصواريخ والدبابات وما أشبه، بل يشمله فيما يشمل، إذ هو لون من مجاهدات النفس قد يكون أفضلها فى بعض الأحيان، وقد يكون غيره أفضل منه، وقد تكون ألوان الجهاد كلها متساوية، وكل ذلك حسبما تقتضيه الظروف، إلا أنه ليس اللون الوحيد على أية حال. ومثله ما رواه الحافظ العراقى من قوله عليه السلام: "المهاجر من هجر السوء، والمجاهد من جاهد هواه". وفى الصحيح الجامع للألبانى: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسُنّته ويتقيدون بأمره. ثم إنها تَخْلُفُ من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". وفى صحيح الترمذى: "إن من أعظم الجهاد كلمةَ عدلٍ عند سلطانٍ جائر"، وهو مما ينقص أمة الإسلام اليوم إلى حد كبير، إذ كلنا (إلا من رحم الله، وقليل ما هم) نخشى السلطان الجائر، وكثير منا ينافقونه ويُورِدونه ويُورِدون أنفسَهم والأمةَ كلها معهم موارد الهلكة كالذى نحن فيه الآن.
إذن فالجهاد ليس هو القتال ضربة لازب، كما أنه لا يعنى قتال الآخرين بغية إكراههم على اعتناق الإسلام، والدليل على هذا هو قوله سبحانه وتعالى من سورة "البقرة": "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)". فمن البيّن الذى لا يمكن الجدال فيه أن الإسلام لا يقرّ العدوان من جانب المسلمين أبدا، بل يقيم تعامله مع المشركين على أساس من مواقفهم: فإن قاتلوا المسلمين فعلى المسلمين مقاتلتهم، وإن كفوا أيديهم عنهم سكت المسلمون كذلك... وهكذا. وفى قوله جل جلاله من سورة "الأنفال": "إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)" نبصر بكل وضوح واطمئنان أن المشركين إذا غدروا بالمسلمين ولم يوفوا بما عقدوه معهم من عهد كان للمسلمين أن يقاتلوهم ويقتلوهم، فإذا جنحوا للسلم وجب على المسلمين الجنوح إليها والتوكل على الله، وإذا شعروا أن هناك نية غدر فأقصى ما يستطيعونه أن يعالنوهم بأنه لا معاهدة بينهم منذ اليوم: هكذا بكل وضوح، ودون مبادلةٍ لغَدْرهم بغَدْرٍ مثله.
وبنفس العين ينبغى أن نقرأ قوله عز شأنه فى مفتتح سورة "التوبة": "بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاَّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)". فالكلام هنا أيضا عن المشركين الذين كانت بينهم وبين المسلمين عهود فنقضوها ولم يَرْعَوْا فيها ولا فيهم إلاًّ ولا ذمةً، فكان على المسلمين أن يعاملوهم بذات اللغة التى لا يفهمون سواها، وذلك بعدما جرب المسلمون معهم ألوان التسامح حتى باخت المسألة ولم يعد لها من معنى. ورغم ذلك ينبغى ألا يفوتنا الأمر القرآنى فى هذه الآيات بإجارة المشرك الذى يستجير فى هذه الظروف المتوترة بالمسلمين وحمايته إلى أن يسمع كلام الله فى جو هادئ فلا تكون له أية حجة فى غدره بما بينه وبينهم من معاهدات بعد هذا، ثم عليهم فوق ذلك أن يوصّلوه إلى مضارب قبيلته آمنا مطمئنا. فما الذى يراد من المسلمين بعد ذلك كله؟ أيجب عليهم أن يضربوا للخائن الغادر تعظيم سلام ويقيموا له تمثالا ويجعلوا من غدره مثالا أعلى وذكرى ينبغى أن تُحْتَرَم؟
كذلك فشريعة الكتاب المقدس لا تعرف فى تلك الحالة إلا الاستئصال التام لكل ذى روح، بشرا كان أو حيوانا، لا دفع الجزية والإبقاء على حياة الأعداء واحترام عقائدهم. يقول الإصحاح العشرون من سفر التثنية: "16وَأَمَّا مُدُنُ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا فَلاَ تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا، 17بَلْ تُحَرِّمُهَا تَحْرِيمًا: الْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، كَمَا أَمَرَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، 18لِكَيْ لاَ يُعَلِّمُوكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا حَسَبَ جَمِيعِ أَرْجَاسِهِمِ الَّتِي عَمِلُوا لآلِهَتِهِمْ، فَتُخْطِئُوا إِلَى الرَّبِّ إِلهِكُمْ"،
والمقصود بالتحريم هنا هو الاستئصال.
وفى الإصحاح الخامس عشر من سفر صموئيل الأول: "1وَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «إِيَّايَ أَرْسَلَ الرَّبُّ لِمَسْحِكَ مَلِكًا عَلَى شَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ. وَالآنَ فَاسْمَعْ صَوْتَ كَلاَمِ الرَّبِّ. 2هكَذَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُ مَا عَمِلَ عَمَالِيقُ بِإِسْرَائِيلَ حِينَ وَقَفَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ صُعُودِهِ مِنْ مِصْرَ. 3فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا»".
وبالمناسبة فمصر هذه الأيام تغلى، أقصد أن شرفاءها (شرفاءها فقط) يغلون بل تحترق قلوبهم على الجنود والضباط والمدنيين المصريين الذين قتلوا فى سيناء عقب هزيمة 1967م المخزية وبعد استسلام الجيش المصرى فى عهد البطل خالد الذكر (!) جمال عبد الناصر، الذى يتصور بعض السُّذَّج أنه لو كان حيًّا الآن لكان لقَّن إسرائيل والولايات المتحدة درسا لا تنسيانه. وهذا التصرف من جانب اليهود لا يمكن فهمه على وجهه السليم إلا فى ضوء نصوص العهد القديم الإجرامية المتوحشة. جاء فى مقال منشور فى 12/ 3/ 2007م بجريدة "المصريون" بعنوان "رحبت بتصريحات أبو الغيط واعتبرتها إيجابية- إسرائيل تدرس دفع تعويضات لذوي ضحايا مجزرة الأسرى في حرب 67" عن المجزرة التى تم فيها قتل 250 جنديا مصريا فى سيناء رغم استسلامهم بعد هزيمة 1967م أن "الكثيرين من الجنود (الإسرائيليين) المتورطين في المجزرة التي عرضتها القناة الأولى بالتلفزيون الإسرائيلي في 26 فبراير الماضي اعترفوا بأنهم قتلوا الجنود المصريين مدفوعين بشهوة الانتقام، وتطبيقا لتعليمات عسكرية من قادتهم. وقالوا إن بن أليعاز شارك بنفسه في عمليات مطاردة الجنود المصريين المنسحبين وقتلهم بدم بارد حيث كان يرغمهم على النوم على الأرض على وجوههم بعد تقييد أيديهم من الخلف ثم يطلق عليهم الرصاص من خلف الرأس. وأشاروا إلى أن الأوامر الصادرة إليهم من بن أليعازر كانت تقضي بإطلاق الرصاص على الجنود المصريين العُزْل حتى بعد أن كانوا يرفعون إيديهم مستسلمين". ويزيد الأستاذ جمال أسعد القبطى الأمر تفصيلا فيقول فى نفس الجريدة فى اليوم التالى تحت عنوان "دم الأسرى في رقابنا جميعا": "هل اكتشفنا مؤخرا أن إسرائيل دولة عنصرية استعمارية تخالف القانون الدولي، ليس في سلوكها فحسب، ولكن في نشأتها ذاتها كدولة تخالف قرارات مجلس الأمن؟ وهل هناك جديد في قضية قتل وسحق إسرائيل للأسرى المصريين في حربي 56، 67 بعد إذاعة الفيلم الإسرائيلي في القناة الأولى للتليفزيون الإسرائيلي باسم روح شاكيد "الصفوة"؟ نقول لكل من ينسى أو يتناسى أن قضية الأسرى المصريين في إسرائيل لم تكن هذه المرة الأولى التي أثيرت فيها بمناسبة ذلك الفيلم، ولن تكون الأخيرة. فقد أثيرت تلك القضية عام 1996 وعام 2000 عند الانتفاضة الفلسطينية الثانية من خلال منظمات شعبية وسياسية. كما أن تلك القضية الهامة والحساسة والتي تمس شرف العسكرية المصرية وكيان المواطن المصري نتيجة لتلك الممارسات الإسرائيلية الحقيرة في حق أسرانا قد تم رصدها وتسجيلها. كما توجد وثائق وسجلات لدى القوات المسلحة المصرية ولدى منظمات العمل الأهلي وحقوق الإنسان، وذلك من خلال رصد ومقابلة وشهادات واعترافات الأسرى المصريين العائدين والناجين من المجازر الإسرائيلية. وذلك بما لا يدع مجالا لأي شك في تلك الممارسات اللاإنسانية في حق أسرانا. فلا فيلم روح شاكيد ولا اعترافات بن إليعزر أضافت جديدا في هذا الموضوع، غير أن هذا الفيلم يعتبر نوعا من الاعتراف المباشر على اقتراف تلك المجازر والتي من الواجب استعمالها واستغلالها أحسن استغلال في فضح وكشف تلك الجرائم. فالقضية أكبر من إعدام 250 أسير لا يحملون سلاحا بل لا يرتدون ملابس عسكرية. فالممارسات الإسرائيلية في حق أسرانا تجاوزت كل الحدود وانتهكت كل الأعراف وأسقطت كل القوانين، فقد تم قتل الأسرى بالمئات في مذابح بشرية ودفنهم أحياء ودهسهم تحت جنازير الدبابات وإعدام كل من يطلب قطرة ماء بالرصاص وضربهم بالنابالم في وجوههم. بل وصل الأمر بأنه كان يُطْلَب من الأسير أن يحفر قبره بنفسه، ثم يتم إطلاق النار عليه وهو في القبر، ثم يتم دفنه قبل أن تفارق روحه الحياة. والغريب في الأمر أن تلك الممارسات الفظيعة ليست نتاج اعترافات أسرى مصريين أو من خلال مصادر مصرية فقط، ولكن الأهم أن تلك الممارسات قد تم الاعتراف بها من قِبَل فاعليها من العسكريين الإسرائيليين مثل شارون زيف، الذي اعترف بأنه قد قذف قنبلة في شاحنة ممتلئة بالمصريين، وعاموس فئمان، الذي قال: طاردنا المصريين وقتلناهم بلا أي قواعد. ناهيك عن التجارة بأعضاء الأسرى المصريين في أوروبا وإسرائيل. فهل يوجد سلوكيات أحقر من هذا في حق المقاتل المصري الأسير الذي من المفترض أن يحميه القانون الدولي واتفاقات جنيف الأربعة عام 1949 والتي تعتبر أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم؟ مع العلم أن نظرة سريعة على تلك الاتفاقات تجد أن إسرائيل قد اقترفت من الجرائم ما لا يحصى مثل القتل العمد، التعذيب، المعاملة غير الإنسانية، إجراء تجارب بيولوجية على أشخاص غير مسلحين، الحرمان من الحق في محاكمة منصفة وعادلة، وانتهاك الكرامة الإنسانية وغيرها غيرها من اتهامات. فماذا بعد؟ وما هي الأسباب الواضحة والخفية في وجود هذا التقاعس لإثارة تلك القضية وإحياؤها مصريا ودوليا؟ وهل هناك علاقة فعلا بين عدم الجدية في الحصول على حقوقنا من إسرائيل تجاه تلك القضية وبين ما يسمى بمعاهدة السلام؟ وهذا واضح بدليل أنه حتى هذه اللحظة فالذي يثير تلك القضية في أوقات متفرقة هي المنظمات الشعبية والأهلية، ولا نرى موقفا جادا من الخارجية أو الحكومة غير الإستدعاءات والاستفسارات. وهل منعت معاهدة السلام إسرائيل من أن تمارس تلك الممارسات اللاإنسانية والغير قانونية؟ والغريب أن وزيرة خارجية إسرائيل تقول أننا الآن في سلام مع مصر فلا يجب أن ننظر إلى قضايا قديمة مضى عهدها. وبالرغم من عدم تقادم تلك القضايا فإننا نسأل السيدة الوزيرة: هل أسرانا هم أقل رتبة من أسراكم؟ أم أنتم شعب الله المختار؟ وإذا كان ما فات مات فلماذا طالبتم وما زلتم تطالبون وتستغلون ما يسمى بالهولوكوست ضد ألمانيا وأوروبا؟ ولماذا قد حصلتم على نحو 800 مليار دولار تحت بند ما يسمى بالتعويض المادي؟ وهذا غير المكاسب السياسية التي لا تقدَّر مثل حصولكم على وثيقة ما يسمى بتبرئة اليهود من دم المسيح من الكنيسة الكاثوليكية، وكذلك تهديدكم سياسيا للعالم كله بتلك المحرقة حتى أصبح الآن هناك قوانين تخدم ما يسمى بالإساءة للسامية، وكأن اليهود هم وحدهم الساميون. ولماذا نذهب بعيدا، ونسأل أيضا: ماذا تفعل إسرائيل حيال أسراها؟ ولماذا قامت بشن الحرب السادسة الإسرائيلية ضد لبنان بحجة استرداد أسيرين قام حزب الله بأسرهما؟ وماذا كانت نتيجة تلك الحرب؟ وما هي الخسارة اللبنانية في مقابل أسيرين ما زالا أحياء؟ وكم دفع الفلسطينيون دما وأرواحا ومنازلا مقابل أسير واحد لم يمس بأذى؟ فلا شك أن اتفاقيات السلام لا تعني شيئا بالنسبة لإسرائيل، فهي لا يعنيها ولا يهمها سوى أن تكون نموذجا للدولة العنصرية، عميلة لأي قوى كبرى في المنطقة. فهل السلام المصري الإسرائيلي منع تلك الدول من التجسس على مصر؟ فلماذا التحجج بهذا السلام البارد والذي هو يعني الحكومات وليس الشعوب؟ ولماذا لا نتعامل مع إسرائيل بمثل ما تعاملنا؟ وهنا نقول: ماذا فعلت إسرائيل حينما قام بعض الجنود المصريون بضرب بعض الإسرائيليين؟ قامت الدنيا ولم تقعد وحصلت إسرائيل على تعويضات واعتذارات. وماذا حصلنا نحن عندما قام جنود إسرائيليون بقتل جنود مصريين؟ وهنا لا تقول أنها صدفة وبدون قصد. فهل نعلم ماذا تدرس إسرائيل لطلابها، وفي ضوء السلام هذا؟ وماذا تدّعي من أكاذيب وافتراءات على مصر وتاريخ مصر؟ وهل نعلم أن عقيدة هؤلاء تعتبر أن قتل الأسرى المصريين واجبا مقدسا لأنهم أبناء عاهرات مثلما جاء في جريدة "الفجر"؟ وهنا فما حدث في حق أسرانا قد فاق كل الحدود وتجاوز كل الآفاق، ومصر لن تخضع لأي أحد تحت أي معاهدة. وكرامة المصري هي أهم ما يملك. ودَوْر الحكومة، أيّ حكومة، هو الحفاظ على المواطن وكرامته. فهل يمكن البدء فورا في اتخاذ قرارات تحفظ حقوقنا وتعيدها إلينا؟ هل من حملة منظمة للعالم كله ضد تلك الممارسات؟ أين حقوق الإنسان؟ وأين المنظمات الدولية والقوانين الدولية؟ أم أن تلك المنظمات وهذه القوانين لا تتحرك ولا تفعل إلا للإسرائيلي أو الأمريكي أو الأوروبي، ولا تحل للعربي أو الشرقي؟ فلماذا لا يتم سحب السفير المصري من إسرائيل؟ وكيف كانت تلك الدعوة للقاتل السفاح بن إليعزر، والأجهزة تعلم فعلته الخسيسة؟ لمصر حقها. لا ولن يضيع طالما هناك شعب يعتز بكرامته، ولن يضيع حق وراءه مطالب. ولن يحفظ كرامتنا إلا نحن. وقضية الأسرى لن تموت مهما تم التغطية عليها أو التعتيم حولها".
الذهاب الي الصفحة الثانية من الرد علي شبهات الكندي
الرجوع الي الرد علي شبهات النصاري حول الإسلام