خرافات حول نسطور / د إبراهيم عوض
التاريخ: الخميس 21 سبتمبر 2006
الموضوع: - رد شبهات النصارى


من رسالة ( رسالة يطنطن بها النصاري ) للدكتور إبراهيم عوض


 ومما تناوله الهاشمى فى رسالته كلامه عن النسطورية، الذين سماهم: "أصحابك"، أى أصحاب الكندى، بما يدل على أن الكندى نسطورى. وقد انطلق فوصفهم  بأنهم "أقرب وأشبه بأقاويل المنصفين من أهل الكلام والنظر وأكثرهم ميلاً إلى قولنا معشر المسلمين، وهم الذين حَمِد نبينا صلى الله عليه وسلم أمْرهم ومَدَحهم وأعطاهم العهود والمواثيق، وجعل لهم من الذمة في عنقه وأعناق أصحابه ما جعل، وكتب لهم في ذلك الكتب، وسجل لهم السجلات، وأكد أمرهم عندما صاروا إليه حين أفضي الأمر إليه واستوثق له، فأتَوْه وتحرّموا بحرمته وذكّروه بمعونتهم إياه على إعلان أمره وإظهار دعوته.




وذلك أن الرهبان كانوا يبشرونه ويخبرونه قبل نزول الوحي عليه بما مكّن الله له وصار إليه. فلذلك كان يُكْثِر توادّه لهم وإطالة محادثتهم، ويُرَى كثيرا عندهم مخاطبا لهم في تردّده إلى الشام وغيرها. وكان الرهبان وأصحاب الأديرة يكرمونه ويجلّونه طوعا، ويخبرون أصحابهم بما يريد الله أن يرفع من أمره ويعلن من ذكره، وكانت النصارى تميل إليه وتخبره بمكيدة اليهود ومشركي قريش وما يبتغونه له من الشرّ، مع مودتهم له وإجلالهم إياه وأصحابه".


وهذا كلام كله خبث وشيطنة، إذ متى عامل النبى النساطرة معاملة خاصة وأثنى عليهم؟ ومتى كان النساطرة يوادّونه ويساعدونه على رسالته ويعضدونه؟ وإذا كان هذا صحيحا فلم إذن يتسافه هذا الكندى النسطورى ويجرم فى حقه عليه السلام ويقول فيه الكلام البذىء الذى سوف نطّلع عليه بعد قليل إذا كان ما ينسبونه للهاشمى من أن النساطرة يحبونه عليه السلام ويوادونه ويعضدونه صحيحا؟ يقولون فى الأمثال الشعبية إن الجمل صعد النخلة، فقال أحدهم: هذا الجمل، وهذه النخلة، فأرونا كيف صعد الجمل النخلة. وهو ما نقوله نحن: هذا تاريخ الرسول، وهذا تاريخ النساطرة، فأرونا متى حدث ما ذكرتموه على لسان الهاشمى. إن الذين دعاهم النبى من النصارى إلى الإسلام إما ناس أسلموا، وهؤلاء لا شأن لنا بهم هنا، وإما نصارى بَقُوا على ما كانوا عليه، فدعاهم عليه السلام إلى المباهلة، وهى الدعاء على الكاذب المدلس


من الطرفين أن يهلكه الله ويخزيه ويلعنه هو وأهله من نساء وأبناء، لكنهم حاصوا وهربوا من المباهلة وآثروا أن يدفعوا الجزية لمعرفتهم أنه نبى صادق، لكن حظوظ الدنيا غلبتهم على ضمائرهم ومنعتهم من الدخول فى الدين الحق. فمتى كان النساطرة يتمتعون لديه بوضع خاص؟ إن هذا لهو الكذب المبين، لعنة الله على كل كذاب أفاك لئيم! ثم متى كان النبى عليه الصلاة والسلام يكثر من التردد على النساطرة ويحب محادثتهم؟ ترى ماذا كان يقول لهم ويقولون له؟ إن كاتب هذا القَىْءِ يريد اتهام الرسول r بأنه صنيعة نصرانية، إذ كان يستمع إلى ما لدى القساوسة ويتعلم منهم حتى استطاع فى نهاية المطاف أن يصبح رسولا. الله أكبر! أرأيتم إلى هذا اللف والدوران؟ أرأيتم إلى هذا الخبث الحقير والكيد الوضيع وكيف يسندون اتهام الرسول إلى رجل من الهاشميين وعالم من علمائهم، وفوق ذلك تقى متمسك أشد التمسك بدينه؟ إن الكذابين يزعمون أن الرسول عليه السلام كان يتردد على القساوسة كلما ذهب إلى الشام، مع أن كل ما ذكره بعض كتاب السيرة أنه قابل بحيرا مرة واحدة وهو صبى صغير، وأن تلك المقابلة كانت بطلب من بحيرا لا العكس، وأن ذلك الراهب قد حذر عمه أبا طالب من كيد يهود ضد ابن أخيه لأنه سوف يكون نبيا. وهذا كل ما حدث، فلا كلام ولا سماع ولا دياولو، كما أن ذلك لم يتكرر مرة أخرى. وقد دفع مثل هذا الزعم الكاتب الأسكتلندى الشهير توماس كارلايل إلى السخرية من المستشرقين والمبشرين الذين يقولون إن الرسول قد تعلم على يد بحيرا، متسائلا ما الذى يمكن أن يتعلمه صبى فى نحو الرابعة عشرة من راهب كبحيرا أو غيره لا يعرف لغته؟ (انظر كتابه: "الأبطال"/ ترجمة محمد السباعى/ كتاب الهلال/ العدد 326/ فبراير 1978م/ 69). كذلك يقول كاتب الرسالة إن قساوسة النساطرة كانو يجلونه هو وأصحابه، فهل كان للرسول آنذاك أصحاب، وهو لم يكن قد بدأ دعوته بعد، ومن ثم لم يكن له أتباع أصلا؟ وأعجب من ذلك وأبعث على الضحك أن يقال إن الوحى عندئذ قد نزل مثنيا عليهم بآيات سورة "المائدة" الآنفة الذكر والتى بينتُ قبل قليل أنها إنما نزلت فيمن أسلم من قِسِّيسِى النصارى ورهبانهم، رغم أنه لم يكن ثمة وحى بعد، إذ كيف ينزل وحى، والنبى لم يكن قد أصبح نبيا آنذاك، لأن الكلام هو عن رحلاته إلى الشام، ومعروف أنه r لم يذهب إلى الشام من قبل بدء الدعوة بزمن؟ إن هذا لا يمكن صدوره من مسلم، فضلا عن عالم كبير من علماء المسلمين! 


11- ويقول الهاشمى فيما هو منسوب إليه: "ولقيتُ جماعةً من الرهبان المعروفين بشدة الزهد وكثرة العلم، ودخلتُ كنائسَ وأديرةً كثيرةً وحضرت صلواتِهم تلك الطوال السبع التي يسمّونها: "صلوات الأوقات"، وهي صلاة الليل، وصلاة الغداة، وصلاة الثالثة التي هي صلاة السَحَر، وصلاة نصف النهار، أعني صلاة الظهر، وصلاة التاسعة التي هي قريبة من وقت العصر والعِشاء، وصلاة الشفع وهي صلاة العِشاء المفروضة، وصلاة النوم التي يصلّونها قبل أخذهم مضاجعهم. ورأيت ذلك الاجتهاد العجيب والركوع والسجود بإلصاق الخدود بالأرض وضرب الجبهة والتكتُّف إلى انقضاء صلواتهم، خاصة في ليالي الآحاد وليالي الجُمَع وليالي الأعياد التي يسهرون فيها منتصبي الأرجل بالتسبيح والتقديس والتهليل الليل كله، ويصلّون ذلك بالقيام نهارهم أجمع، ويكثرون في صلواتهم ذكر الآب والابن والروح القدس، وأيام الاعتكاف التي يسمونها أيام البواعيث (صلوات الاستمطار)"، فينبثق التساؤل التالى فى الحال: ماذا كان يصنع هذا الرجل بالضبط فى حياته؟ أوكان رجلا فاضيا بحيث إنه لم يجد ما يشغل به وقته سوى التردد على الكنائس والأديرة بل مواصلة النهار بالليل فيها؟ لكننا نعرف أن الأديرة كانت فى ذلك العصر مرتادا لجماعات من المـــُجّان والسكارى المسلمين الذين يذهبون إلى هناك للتحرش بالرهبان الشبان، وما أدراكم ما الرهبان الشبان والتحرش بهم؟ فكيف شذ صاحبنا عن هذا؟ وإلى القارئ واحدة من القصص التى كانت تتكرر كثيرا فى ذلك العصر، وهى منقولة عن كتاب "الديارات" للأصفهانى: "كان بكر بن خارجة يتعشق غلاماً نصرانياً يقال له:عيسى بن البراء العبادي الصيرفي، وله فيه قصيدة مزدوجة يذكر فيها النصارى وشرائعهم وأعيادهم، ويسمي دياراتهم، ويفضلهم. قال: وحدثني من شهد دعبلاً وقد أنشد قوله في عيسى بن البراء العبادي:



زُنّارهُ في خصره معقودُ         كأنه من كبدي مقدودُ


فقال دِعبل: ما يعلم الله أني حسدتُ أحدًا قط كما حسدت بكرًا على هذين البيتين! وقال بكر بن خارجة في عيسى بن البراء العبادي:


فبالإنجيل تتلوه شيوخٌ* رهابنةٌ بدير الجاثليقِ


وبالقربان والصلبان إلا* رثيت لقلبيَ الدَنِفِ المشُوقِ


أَجِرْني، متُّ قبلك من همومي* وأرشدني إلى نهج الطريق


فقد ضاقت عليّ وجوه أمري* وأنت المستجارُ من المضيقِ


وكان بكر بن خارجة كثير المقام بهذا الدير مشتهراً بالشراب فيه، افتتاناً بهذا الغلام النصراني، وفيه يقول أرجوزة مليحة منها قوله:


من عاشقٍ ناءٍ هواه دانِ* ناطق دمعٍ صامتِ اللسانِ


موثقِ قلبٍ مطلقِ الجثمان* معذَّبٍ بالصدِّ والهجران


من غير ذنب كسبت يداهُ* إلا هوًى نمّت به عيناه


شوقاً إلى رؤية من أشقاه* كأنما عافاه من أبلاه


يا ويحه من عاشق ما يلقى* بأدمع منهلّة ما ترقى


ذاب إلى  أن كاد يخفي عشقا* وعن دقيق الفكر فيه دقّا


لم يبق فيه غير طرفٍ يبكي* بأدمع مثل نظام السلكِ


كأنه قطر السماء يحكي* يخمد نيران الهوى ويذكي


إلى غزالٍ من بني النصارى* عِذارُ خدّيه سَبَى العذارى


يترك ألباب الورى حيارى* في ربقة الحبّ له أسارى


رِيمٍ بدير الروم رام قتلي* بمقلةٍ كحلاء لا من كُحلِ


وطُرَّةٍ بها استطار عقلي* وحُسْن دلٍّ وقبيح فعل


ها أنا ذا من قَدّه مقدودُ* والدمع من خدّي له أُخدود


ما ضرَّ مَنْ قلبي به معمودُ* لو لم يكدِّر صَفْوَه الصدودُ؟


يا ليتني كنت له صليبا* فكنت منه أبدا قريبا


أُبْصِر حسنًا وأشمُّ طيبا* لا واشيًا أخشى ولا رقيبا


أو ليتني كنتُ له قُربانا* ألثم منه الفمَ والبنانا


أو جاثليقًا كنت أو مطرانا*  كيما يرى الطاعة لي إيمانا


أو ليتني كنتُ له زنّارا* يدور بي خصراه حيث دارا


حتى إذا الليل طوى النهارا* صرتُ له تحت الدجى إزارا


يا ليتني في النحر منه عُوذَة * أو خمرة يشربني ملذوذة


أو حلة يلبسني مقدودة* ليست إذا ما أخلقت مقدودة


يا ليتني كنت لعمروٍ مصحفا* أو قَلَمًا يكتب بي ما ألّفا


  من حسن أشعارٍ له قد صنّفا* فإن لي من بعض هذا ما كفى


يا للذي بحسنه أضناني* وابتزَّ صبري والضنى كساني


ظبيّ على البعاد والتداني* حلَّ محلَّ الروح من جثماني


واكبدي من خده المضرَّجِ* واحزني من ثغره المفلَّجِ


لا شيء مثل الطرف منه الأدعجِ* أذهب للنسك وللتحرجِ


إليك أشكو يا غزال الأنسِ * يا من هلالي وجهُه وشمسي


ما بي من الوحشة بعد الأنسِ* لا تُقْتل النفسُ بغير النفس


ها أنا في بحر الهوى غريقُ* سكران من حبّك لا أفيقُ


محترقٌ ما مسَّني حريقُ* يرحمني العدوُّ والصديقُ


ويقول فيها:


يا عمرو ناشدتك بالمسيحِ* ألا سمعتَ القول من نصيحِ


يعرِبُ عن قلبٍ له قريحِ* ليس من الحبِّ بمستريحِ؟


يا عمرو بالحق من اللاهوتِ* والروح روح القدس والناسوتِ


ذاك الذي قد خُصَّ بالنعوتِ* النطق في المهد وبالسكوت


بحق من في شامخ الصوامع* من ساجدٍ لربه وراكعِ


يبكي إذا ما نام كلُّ هاجعِ* خوفاً من الله بدمعٍ هامعِ


ثمّ يقسم عليه بكل قسم يعرفه النصارى ويقول:


ألا نظرت يا أميرَ أمري* محتسبًا فيَّ عظيم الأجر؟


كذلك ألم يكن للهاشمى زوجة وأولاد وأهل يستفسرون منه عن سر ذلك التردد الكثير على دور العبادة النصرانية والبقاء الطويل فيها وتركهم دون عائل يقوم بمطالبهم من موبايلات ودروس خصوصية وساندويتشات شاورما وبيتسا وجاتوهات والذى منه؟ وهل من الممكن على من تكتَّف أن يسجد أو أن يضرب نفسه؟ وهل يكون السجود بوضع الخد على الأرض؟ الواقع أن هذا كلام يبرجل الدماغ! ومرة أخرى نحن أمام محاضرة فى العبادات النصرانية، ولا أظن الهاشمى، لو كان شخصية حقيقية، يمكن أن ينخرط فى هذا الدرس الذى لم يطلبه منه الكندى ولا يحتاج له. وعلى الناحية الأخرى نجد الكندى يشرح للهاشمى فى رده على رسالته ألفاظا فى كلامه لم تكن ثمة حاجة إلى شرحها، إلا أن يكون الكندى قد افترض أن صاحبه من العوام فهو يشرحها له، فهو يقول له أثناء حديثه عن جمع القرآن: "فاجتمع أمرهم وجمعوا ما كان حَفِظه الرجال من أجزائه كسورة "التوبة" التي كتبوها عن الأعرابي الذي جاءهم من البادية وغيره من الشاذ والوافد، وما كان مكتوبا على اللِّخاف (وهي حجارة بيض رقاق واحدتها لَخْفة، وهي في حديث زيد بن ثابت جامع القرآن) والعُسُب (وهو جريد النخل) وعلى عظم الكتف ونحو ذلك، ولم يُجمع في مصحف". فهل مما يدخل المخّ أن يكون الهامشى بحاجة إلى من يشرح له معنى "العُسُب" و"اللِّخاف"، وعلى يد من؟ على يد نصرانى! ثم هل من المعقول أن يقضى الهاشمى كل تلك الأوقات فى الكنائس والأديرة مخالطا للقسيسين والرهبان مشاهدا ما يصنعون ويدخل معهم فى مجادلات حول الإسلام والنصرانية ثم لا يهتم بوضع رسائل فى المقارنة بين الديانتين للناس جميعا مسلمين ونصارى ما دامت حماسته للجدال الدينى على النحو الذى تعكسه رسالته للكندى؟ أوتلك الرسالة القصيرة المجملة هى كل ما جادت به قريحته بعد كل تلك التجارب الكنسية والديرية التى خاضها بسلامته طوال ذلك الوقت؟ والمضحك، وكل شىء فى تلك الرسالة مضحك، أن يقول للكندى إنه قد ذكر له كل شىء عن مشاهداته وتجاربه ونقاشاته فى الكنائس والأديرة حتى يعلم كل من يطلع على خطابه إليه أنه كان عالما بالقضية! ترى ما معنى هذه الإشارة إلى من يمكن أن يطلعوا على الخطاب، وهو ليس سوى خطاب شخصى المفروض أنه لن يطلع عليه أحد آخر سوى صاحبه؟ أما إذا كان فى نيته أن يقرأه الآخرون، أفلم يكن الأحرى به أن يضع فى ذلك كتابا يقرؤه الناس جميعا كما قلنا قبل قليل؟ وأخيرا هل يعقل أن ينقضّ ذلك العالم المسلم على أهل دينه بهذه الحماقة وذلك الاحتقار تقربا إلى الكندى كما صنع فى سياق كلامه عن مناظراته مع القساوسة والرهبان: "ناظرتُهم مناظرةً نصفة طالبا للحق، مسقِطا بيني وبينهم اللجاج والمكابرة والصلف بالحسب، وأوْسعتُهم أمنا أن يقوموا بحجّتهم ويتكلموا بجميع ما يريدونه، غير مؤاخذٍ لهم بذلك ولا متعنّت عليهم في شيء كمناظرة الرَّعاع والجهال والسفهاء من أهل ديانتنا، الذين لا أصل لهم ينتهون إليه ولا عقل فيهم يعوّلون عليه، ولا دين ولا أخلاق تحجبهم عن سوء الأدب، وإنما كلامهم العَنَت والمكابرة والمغالبة بسلطان الدولة بغير علم ولا حجة". الحق أن هذا ليس كلام الهاشمى، بل كلام نصرانىٍّ خبيثٍ حقودٍ يهتبل الفرصة لإفراغ ما يَكُظّ قلبه من سمٍّ هارٍ يمزق مصارينه! 

 الدكتور إبراهيم عوض

 

الرجوع الي الرد على شبهات النصارى حول القرآن

 







أتى هذا المقال من برهانكم للرد على شبهات النصارى
http://www.burhanukum.com

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.burhanukum.com/article159.html