
قالــوا: إذا كان الله لا يجعل المحرم جزاء للمؤمنين، فما باله جعل الخمر جزاء لهم؟!
والجـواب: حرم الله الخمر لما فيها من تعطيل لموهبة العقل التي منحها الله للإنسان، والتي ميزه بها عن الحيوان، فقد بعث الله الأنبياء وأنزل الشرائع لحراسة هذا المقصد النبيل، فحرَّم قليل الخمر وكثيرها «ما أسكر كثيره فقليله حرام»[1]، ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر كل مساهم في شيوع فسادها، يقول أنس ر «لعن رسول اللهr في الخمر عشرة : عاصرها ومعتصرها وشاربها، وحاملها والمحمولة إليه، وساقيها وبائعها وآكل ثمنها ، والمشتري لها والمشتراة له»[2].
فإذا عرفت علة التحريم لخمر الدنيا ؛ عرف علة كونها حلالاً بل جزاء للمؤمنين في الآخرة، فخمر الجنة ليس فيها واحدة من المزريات الموجودة في خمر الدنيا، وكما قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء)[3].
ولقد وصف الله خمر الجنة بأحسن الوصف، ونزهها عما يعتري خمر الدنيا من الفساد، فلئن كانت خمر الدنيا مما يستقبح طعمه؛ فإن خمر الجنة لذة للشاربين: (( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى )) (محمد: 15).
ولئن كانت خمر الدنيا المحرمة تذهب العقل؛ فإن خمر الجنة ليست كذلك: { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ` بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ` لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ } (سورة الصافات: 45-46)، فاختلاف الأحكام لاختلاف الخواص والصفات.
ولئن كانت خمر الدنيا تصدع رؤوس أصحابها وتمرضهم؛ فإن خمر الجنة منزهة عن ذلك، فالولدان المخلدون يطوفون عليهم (( بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ` لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ )) (الواقعة: 18-19).
قال الطبري: " لا في هذه الخمر غول، وهو أن تغتال عقولهم، يقول: لا تذهب هذه الخمر بعقول شاربيها كما تذهب بها خمور أهل الدنيا إذا شربوها فأكثروا منها، كما قال الشاعر:
وما زالت الكأس تغتالنا وتـذهب بالأول الأول"[4]
وأكد الله هذه الخاصية لخمر الجنة بقوله: {وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } (الصافات: 47)، قال الطبري: "من الإنزاف بمعنى: ذهاب العقل من السكر، ومنه قول الأبيرد:
لعمري لئن أنزفتموا أو صحوتم لبئس الندامى كنتم آل أبجرا "[5]
وهكذا يستبين للمنصف خطأ وتجني أصحاب الفهوم المعوجة أو المنكوسة على القرآن الكريم الذي أرسى فضائل الأخلاق ومعالي الآداب ، وأقام حضارة ذخرت بالقيم التي لم تعرفها من قبل ولا من بعد أمة من أمم العالمين.
الخمور في الجنة
كتبه / الدكتور منقذ السقار
الهوامش
[1] أخرجه الترمذي ح (1865)، والنسائي ح (5607)، وأبو داود ح (3681)، وان ماجه ح (3393).
[2] أخرجه الترمذي ح (1295)، وابن ماجه ح (3381)، وأحمد ح (4772).
[3] أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (1/66).
[4] جامع البيان، الطبري (21/37).
[5] جامع البيان، الطبري (21/40).
للرجوع الى قسم د منقذ السقار للرد علي الشبهات تنزيه القرآن الكريم عن دعـاوى المبطلين
· منقذ السقار : الله جل جلاله واحد أم ثلاثة
مقالات مشابهة
· ملكوت لجنس ثالث
· أشجار وأنهار في الجنة
· الأكل في الجنة أم إله ياكل ويؤكل
· ملكوت نسائها رجال
· الرد علي كتاب الجنة في الإسلام
· القيامة بالجسد
· الزواج في جنة المسلمين