هذه السورة تتناول قطاعاً حقيقياً من حياة الجماعة المسلمة ، في فترة تمتد من بعد غزوة بدر الكبرى ، إلى ما قبل صلح الحديبية ، وتصور هذه الفترة من حياة المسلمين في المدينة تصويراً واقعياً مباشراً . وهي مزدحمة بالأحداث التي تشير إليها خلال هذه الفترة ، والتنظيمات التي أنشأتها أو أقرتها في المجتمع الإسلامي الناشئ . والتوجيهات والتعقيبات على هذه الأحداث والتنظيمات قليلة نسبياً؛ ولا تشغل من جسم السورة إلا حيزاً محدوداً ، يربط الأحداث والتنظيمات بالأصل الكبير . أصل العقيدة في الله والاستسلام لقدره . ذلك كافتتاح السورة : { يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين ، إن الله كان عليماً حكيماً . واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيراً ، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً . ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه . . } . . وكالتعقيب على بعض التنظيمات الاجتماعية في أول السورة : { كان ذلك في الكتاب مسطوراً . وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ، وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ، ليسأل الصادقين عن صدقهم ، وأعد للكافرين عذاباً أليماً } . . والتعقيب على موقف المرجفين « يوم الأحزاب » التي سميت السورة باسمها . { قل : لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ، وإذن لا تمتعون إلا قليلاً . قل : من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة؟ ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً } ومثل قوله في صدد أحد التنظيمات الاجتماعية الجديدة ، المخالفة لمألوف النفوس في الجاهلية : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } وأخيراً ذلك الإيقاع الهائل العميق : { إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ، وأشفقن منها ، وحملها الإنسان ، إنه كان ظلوماً جهولاً } ولهذه الفترة التي تتناولها السورة من حياة الجماعة المسلمة سمة خاصة ، فهي الفترة التي بدأ فيها بروز ملامح الشخصية المسلمة في حياة الجماعة وفي حياة الدولة؛ ولم يتم استقرارها بعد ولا سيطرتها الكاملة . كالذي تم بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً ، واستتباب الأمر للدولة الإسلامية ، وللنظام الإسلامي .
والسورة تتولى جانباً من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة ، وإبراز تلك الملامح وتثبيتها في حياة الأسرة والجماعة؛ وبيان أصولها من العقيدة والتشريع؛ كما تتولى تعديل الأوضاع والتقاليد أو إبطالها؛ وإخضاعها في هذا كله للتصور الإسلامي الجديد .
وفي ثنايا الحديث عن تلك الأوضاع والنظم يرد الحديث عن غزوة الأحزاب ، وغزوة بني قريظة ، ومواقف الكفار والمنافقين واليهود فيهما ، ودسائسهم في وسط الجماعة المسلمة ، وما وقع من خلخلة وأذى بسبب هذه الدسائس وتلك المواقف . كما تعرض دسائسهم وكيدهم للمسلمين في أخلاقهم وآدابهم وبيوتهم ونسائهم .